عندما يمعن شخص في التحديق بك محاولاً ان يستحضر ملفك من ذاكرته ثم يهجم عليك دفعة واحدة يعصر كتفيك ويقبلك بحرارة فهو يبالغ في شوقه الى درجة تتمنى فيها لو بقيت قريباً منه ولم تهجر محبته عشر سنوات. وعندما يقف النادل حارساً الى جانب مائدتك ملبياً كل حركة تريد ان تقوم بها, مسمراً نظره الى طبقك او الى شرابك او مطفأة سجائرك ويسارع الى تبديلها باستمرار, ولن يتوانى عن دفع كرسيك الى الخلف اذا كنت تريد النهوض, وسيفعل معجزة صغيرة لو بحثت عن عود ثقاب في جيوبك وتراه يطير الى المطبخ ليحضر لك ثقاباً أو ولاعة ويبالغ في الانحناء لاشعال سيجارتك الى درجة تكاد شعلة اللهب ان تحول شاربك الى رماد, عندما يفعل نادلك الأثير ذلك تتمنى لو أمضيت بقية عمرك أسير خدماته. وعندما تبث المرأة نظرها في عينيك واصفة شعرك بالروعة ونضارتك بالمدهشة وحيويتك بالقوة وتسمعك عبارات فيها من الجمال ما لا تتحمله مخيلتك العفيفة, تندم كثيراً لأنك غيرت بوصلتك وقادتك سفينتك الى جزيرة كثيرة الماء والزرع, قليلة الجمال, وسيزداد ندمك اكثر عندما تدرك انك ستترك المكان قريباً, وان المرأة قد بالغت في تحميلك ما لا طاقة لك به, وحينها سترغب لو أنك قايضت شبابك بجزيرة اخرى, او لو غيرت اتجاه بوصلتك من جديد. وعندما يكثر سائق التاكسي من اسئلته حول وجهتك, وحول ذهابك الى ذلك المكان البعيد, ويستفسر اكثر عن طبيعة عملك, ويحاول ان يقدم لك سيجارة طويلة مؤكداً ان كساداً كبيراً يسيطر على السوق, وان الحكومة لا تحرك ساكناً في ردع الفاسدين, وسينتظر تعليقاتك على احر من الجمر على كل عبارة يقولها مبالغاً في الدخول الى الأماكن المزدحمة, ووقتها ستعرف ان هذا السائق سيقودك الى وجهة مجهولة قد لا تعود منها ابداً! وعندما يتودد اليك شخص تعرفت اليه تواً وقد تصادف وجوده الى جانبك في مقهى مزدحم, مقدماً لك أوراق اعتماده كرجل من عالم مختلف, عالم يشبه عالمك, يكره التقليد ويستعذب الحياة الحرة المنفتحة على الآخر, ولكنها ــ كما يقول لك ــ حياة مفتقدة. وسيبالغ في اهتمامه بك الى درجة التملق او الى درجة المداهنة, وطبعاً ستدرك تماماً ان سوء حظك وضعك الى جانب هذا الشخص الذي لن يوفر جهده وكرمه في دفع ثمن قهوتك التي ستتمنى لو انك لم تحتسها من البداية ولكنك وفي لحظة اشراق ذكية ستعتذر منه وتنصرف بحجة ازدحام جدول مواعيدك وبعدها ستحمد ربك على استعادة حريتك فتغذ الخطى بعيداً عن الباب. وعندما... وعندما.. يبالغ الآخر في مديحه, ويبالغ في اطرائه, ويبالغ في اسئلته ويبالغ ويبالغ فاعلم انك ضحية عالم بلغ به الزبى يأساً وانكساراً وانك ستكون جزيرة امان لهؤلاء المبالغين دون ان يدركوا اية جزيرة تلك التي تتحرك رمالها كلما اردت الخروج منها.. فتغوص خطاك اكثر وأكثر.