ربما لا تتجاوز الحقيقة عند رصد الواقع المرير الذي يعيشه التيار الناصري في مصر منذ أتيحت له فرصة قيام حزب يعبر عنه عام ,1992 وعندئذ تقاطر الانضمام إلى عضويته على نحو جماهيري واسع وغير مسبوق. مقارنة بالأحزاب التي سبقته في الحصول على ترخيص من السلطة بممارسة نشاطها السياسي, رغم الحملة المشبوهة المنظمة التي استهدفت النيل من مصداقية تجربة ثورة 23 يوليو في الحكم منذ عام 1952 حتى عام ,1970 والتشكيك في قيمة وأهداف ومنجزات المعارك التي خاضتها على صعيد التحرر من الاستعمار البريطاني والحكم الملكي الفاسد والقضاء على الاقطاع وسيطرة الاجانب على الاقتصاد الوطني وبناء مجتمع العدالة والمساواة والتنمية الشاملة, وتذويب الفوارق العارضة بين الطبقات, وتعزيز مصر وتفعيل دورها على امتداد الوطن العربي, وليس من قبيل المبالغة أو التهويل أن تلك الحملة المشبوهة التي تزامنت مع مرحلتي الردة عن ثوابت الثورة والانفتاح الاقتصادي ابان حكم الرئيس أنور السادات, اتسمت بمنهجية ليبرالية مزيفة ومبرمجة, قدر الكاتب الكبير الاستاذ محمد حسنين هيكل أكثر من ملياري دولار كلفة تمويلها في حقبة السبعينيات وأوائل الثمانينيات فحسب, لكن حجم التمويل تضاعف فيما بعد تباعا ولايزال, عبر تغطية العديد من الأنشطة الصحفية وإصدار الكتب والأفلام السينمائية والبرامج والمسلسلات التلفزيونية والندوات الفكرية والبحثية, واعتمادها بوجه خاص تلويث مسيرة حياة الزعيم جمال عبد الناصر وفق الأسلوب الأمريكي المعروف باغتيال شخصيه الخصوم, حتى يظل موضع كراهية الأجيال الجديدة ونموذجا في الحكم يجب ألا يتكرر! ولم تكن ثورة يوليو مبرأة من الأخطاء والتجاوزات, وذلك أنها تجربة إنسانية شأنها شأن كل الثورات العالمية في خيارها للتغيير الجذري وصدامها المحتوم مع النظام القديم, لكنها لم ترتكب خطاياها الدموية, وإنما تصدت فحسب للدفاع عن مكتسبات الشعب وأمانيه في مواجهة أطماع الثورة المضادة في الداخل أو الخارج كلما بادرتها بالعدوان, ثم لأن الثورة نهضت بلا تنظيم سياسي يحميها ويؤازرها, من هنا كان الدور التاريخي المتميز للجماهير العريضة التي شاركت بلا استثناء في حمل أعباء عملية التغيير والبناء على كل صعيد, لكن التيار الناصري عندما اجتمع شمله من أدناه إلى أقصاه حتى يؤسس حزبه ويستأنف مسيرته السياسية وهو خارج السلطة, استنزف الوقت والجهد في الخلافات الناشبة على المناصب بين أجياله المتعاقبة, على حساب موقعه ودوره وسط الجماهير, إلى الحد الذي أغرى واحدا من رجال الأعمال الجدد في زمن الانفتاح, أن يعرض مؤخرا بضع ملايين من المليارات التي حصل عليها من البنوك لشراء الحزب, وتبرئة ساحته عبر التمسح بالناصرية بدعوى حل ضائقته المالية! على أن الفضيحة سرعان ما استنهضت الضمائر الناصرية الحية وأجهضتها في مهدها, وإذا بالمفاجأة السياسية الرائعة أن نفرا من الشباب الجامعي الذي لم يشهد ثورة يوليو ولا عاصر جمال عبد الناصر, يبادر إلى دعوة الوان الطيف الناصري إلى افطار رمضاني على نفقتهم الخاصة للحوار حول ما آل إليه التيار الناصري وتصحيح مساره عبر قيام ما يسمي (منظمة شباب الثورة), وفي التعريف بأفكارهم ورؤاهم قالوا في ورقة العمل التي دار حولها النقاش : (نحسب أنها وقفه لتصحيح مسار الذات, وكشف حالة الجسد الناصري بين المرض والصحة, ورصد لمستقبل الحركة قبل فوات الأوان الذي دائما ما يكون الأسرع ونكون نحن من يقف ذاهلا أمام سرعة حركة الأحداث, وهكذا كان لزاما علينا مادمنا نهتم بالمستقبل أن نعبر سريعا عبر تفسير يوضح مواطن وتحديد آليات العمل, وأن نحمل بداخلنا مقدرة على تجاوز أي اختلاف, حيث لا وقت إلا لحركة تجاه الغد عبر منهج ناصري علمي منضبط ينقل الواقع إلى التقدم وينقل الناصرية إلى محيط الريادة والقدرة على التعبير, حيث ما جرى داخل الحركة من خلافات مرجعه المهم هو غياب ديمقراطية حقيقية, وعدم اعتماد مفاهيم علمية في مجال التنظيم والإدارة, وهو ما نقل العمل إلى محيط الأزمة المالية المحتومة والخطيرة التي يعاني منها الحزب الناصري, مهددا باغلاق مقراته, مما يستوجب التحشد من خلال آلية مقتدرة في اتجاه المستقبل لايقاف النزيف الناصري وضبط للفاقد, ومحاولة استعادته بل وتعويضه, وهو كما نعتقد يتمثل في الشباب, دون أن يكون مفهوم الشباب ضيقا خانقا للحركة, أو واسعا تماما يؤدي إلى الترهل والضعف, ومادام النظر إلى المستقبل ومادام الاعتماد على الشباب.. فليكن الاختيار إذن هو (منظمة شباب الثورة)! والشاهد أن الجيل الناصري القديم الذي لم يسبق له أن سمع أو تعرف على هؤلاء الشباب فضل أن يستمع إليهم أولا قبل إن يدلي بدلوه, ومن عجب أن يعترفوا بقناعتهم بالناصرية والانتماء إليها عبر المجهود الذاتي, ودون أن يسعى الحز ب الناصري اليهم وتجنيدهم, وإصرارهم على ضرورة مراجعة التجربة الناصرية التي تجسدت معالمها في الميثاق الوطني الذي صاغه جمال عبد الناصر عام 1961 بعد أن أدار أوسع حوار مع مختلف قوى الشعب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين, وحدد عشر سنوات تباعا لاعادة النظر في مدى ملاءمته للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية, وها قد حان الوقت لمراجعة أمينة وعميقة للميثاق حتى تكون التجربة الناصرية مؤهلة لدورها الريادي, ووضع الحلول الصحيحة لمشكلات الوطن والآن, ولعل أهم ما طرحه هؤلاء الشباب من تساؤلات على الناصريين القدامى, كيف يمكن لمنظمة شباب الثورة ممارسة نشاطاتها السياسية دون وصاية وهيمنة الحزب الناصري بعيدا عن التناقض والخلاف بين التنظيميين في إطار التنوع, ورغم أن الحوار لم ينته بعد ولا يزال في بدايته فمن المتعين إذن عدم المصادرة على المطلوب, وإنما الترحيب والحفاوة بالجيل الأحدث في التيار الناصري الذي بادر إلى حمل المسئولية, فلعله ينجح في الدفع بدماء جديدة وفكر عصري خلاق يعيد له شبابه وموقع الصدارة على ساحة العمل الوطني والقومي! كاتب وصحفي مصري