امتلأ العام المنصرم بالاحداث التي اثرت بالعالم العربي واوضاعه. فهو ككل عام فيه انعكاسات الحدث الدولي وفيه تفجيرات الحدث المحلي. العالم العربي ورغم تباعد شئونه السياسية في فترات نجده قد ازداد صغرا وازداد تأثرا ، ببعضه البعض وبكل اطرافه. في كل ما نشاهده تداخل يزداد تعمقا بين الوطني والاقليمي, ونجد ايضا تداخلا يزداد تقاربا بين المحلي والدولي. هذه اتجاهات سوف تتعمق في المستقبل, فمن نتائج تقارب العالم الاوسع والمرتبط بالعولمة مزيد من الترابط في العالم العربي وبين مجتمعاته. لنبدأ بالحدث الاول وهو الانتفاضة الفلسطينية, فهو حدث اقليمي اثر في الشارع العربي كما اثر في سياسات الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية والصراع مع اسرائيل. خلال ايام تبخرت الكثير من العلاقات العربية الاسرائيلية وخلال ايام تبلورت اجواء جديدة في العالم العربي. وقد لعبت وسائل الاعلام العربية دورها في بث الحدث واعادة رسمه امام المواطن العربي كما لعبت الحركات السياسية العربية في الشارع العربي دورها في تثبيت اهمية ما يقع في القدس وفي محيطها من صراع ونضال, كما لعبت الانترنت دورها في نشر المعلومات والاخبار وربما تمتين العلاقات وتقوية المواقف. وتبين خلال ايام ان القضية الفلسطينية عادت ثانية لتكون ايضا قضية عربية واسلامية تحظى باجماع العرب. بمعنى اخر تبين انه رغم التفكك العربي والاسلامي واحيانا التنافر في المجال السياسي الا ان الترابط قائم وذلك من خلال التأثر بالقضايا المركزية التي تهز العرب وجدانا ومصيرا. لقد انتهى العام وبدأ العام الجديد بتفاعلات عميقة على صعيد القضية الفلسطينية. فالحدث الفلسطيني سوف يكون حدثا مؤثرا في الساحة الاقليمية, وان النضال لاحقاق الحقوق العربية في فلسطين سوف يأخذ طابعا صعبا ومريرا في الشهور المقبلة. فبينما كان عام 2000 عام اشعال الانتفاضة قد يكون عام 2001 عام انتزاع الحقوق الفلسطينية, ولذلك سوف يكون اصعب الاعوام من حيث التضحيات والمواجهات. فهناك ابعاد عديدة سوف تعمق من تفجر الصراع بين المستوطنين والفلسطينيين فجذور الصراع مع الاستيطان قديمة بقدم القضية الفلسطينية, وهي ستكون اكثر الصراعات ضراوة, وستتوسع حرب الاغتيالات التي تشنها اسرائيل, كما ستتعمق حرب التفجيرات وعمليات اسرائيل التي قد تتسع نطاقا. لقد بدأ الفلسطينيون انتفاضة تحرير ودحر للاحتلال ولهذا سوف يشهد هذا العام مزيدا من التدفق والتصارع والتواجه بكل ما لهذا من ابعاد عربية ودولية. اما بالنسبة للملف الاقليمي الآخر والخاص بالعراق فمن المتوقع ان تستمر الدعوات لتطبيق القرارات الدولية وابداء حسن النية والتهدئة وخط سياسة مختلفة عن السياسة المتبعة منذ عام 1990. وفي العام الجديد سوف تستمر الدعوات كما عبرت القمة الخليجية منذ ايام لتخفيف المعاناة الانسانية عن الشعب العراقي وتخفيف العقوبات التي تمس الشعب العراقي بشكل مباشر في ظل مطالبة العراق بتغير نهجه واسلوبه. لهذا سوف يتوقف الكثير من هذا العام على مدى مقدرة النظام في العراق على تلبية دعوات التهدئة والانتقال نحو مرحلة جديدة تساهم في رفع العقوبات عنه. لكن الملف العراقي يحمل دائما معه المفاجآت. فكما يحتمل الوضع مع العراق التهدئة يحتمل افاق التصعيد والمفاجآت على الصعيد الداخلي والاقليمي. اما خليجيا فالعام الجديد سوف يحمل معه التصورات والقرارات التي صدرت عن القمة الخليجية التي اختتمت اعمالها منذ أيام, هذه القمة عكست اجواء جديدة وضغوط الصراع الاقتصادي الدولي الذي يؤكد على اهمية التنسيق والترابط العسكري كما والتوحد الاقتصادي بين دول الخليج. القمة الخليجية دفعت باتجاه مزيد من التعامل مع الهم الاقتصادي وضروراته الاقليمية وذلك بصفته الجانب الاهم في معركة البقاء والتعايش في القرن الواحد والعشرين بمعنى اخر ان العام الجديد سوف يحمل معه التحدي الذي تواجهه دول مجلس التعاون في تطبيق هذه القرارات وفي مواجهة المعوقات الداخلية والاقليمية التي تحول دون تطبيقها. ان قضايا الخليج والتنسيق الخليجي المتأثرة ايضا بالوضع الدولي والعولمة سوف تزداد اهمية. وتبقى العديد من التحديات امام الواقع العربي. فهناك جيل عربي جديد يبرز الى سطح الحدث اليومي, وهو جبل يمثل الاغلبية السكانية التي تسعى لمزيد من الحريات ولمزيد من الدور في المجال التشريعي والسياسي. وهناك جيل يبحث عن حقوقه في مجال العمل والارتقاء والمستقبل. وهناك بالوقت نفسه على الصعيد العربي مصاعب التغير المرتبط بالعالم. هذه المصاعب تتطلب اصلاحات كبيرة في تنظيم الاقتصاد وفي الانتقال لاقتصاد اكثر انتاجية وفي التحضير لاقتصاد ما بعد الاعتماد على دور الحكومات. ومع العام الجديد يستمر الصراع العالمي حول الانظمة السياسية وطبيعتها وممارساتها, فالصراع بين الديمقراطية والدكتاتورية سوف يستمر في العام الجديد كما كان في الاعوام السابقة, والصراع حول حقوق الانسان وتثبيتها سوف يزداد قيمة في العالم العربي. وتشكل الانترنت بحد ذاتها وسيلة من وسائل الانتشار الديمقراطي, وانتشار الوعي بحقوق المواطن, بل تلعب هذه الوسيلة دورها المميز في تقوية المواطن في كل دولة عربية, وفي اعطاء المعرفة وكسر الحدود امام تفكيره وتطلعاته. وبالمعنى نفسه تلعب الفضائيات العربية والدولية دورها في تقوية حس المعرفة بين المواطن وحس التعرف على كل ما هو جديد وكل ما هو سياسي واجتماعي. لهذا تزداد المعرفة انتشارا وتفشل كل محاولات الرقابة المحلية او الاقليمية, ويزداد انفتاح الفرد على العالم المحيط. استاذ العلوم السياسية ــ جامعة الكويت