من المظاهرات العفوية والقذف بالحجارة الى العمليات المخططة التي تنفذ بالرصاص. هذه النقلة النوعية هي الانجاز الاكبر للانتفاضة الفلسطينية في بحر ثلاثة أشهر فقط. لقد تحولت من مظاهر احتجاج تلقائية ، في الشارع الى حرب عصابات منظمة. ويعكس هذا التحول ثلاثة تطورات حاسمة في مسار النضال الفلسطيني هي: أولا: ان جيل الانتفاضة الحالية افاد من سلبيات تجربة الانتفاضة الاولى التي امتدت من أواخر الثمانييات الى اوائل التسعينيات. فقد كان الطابع الغالب على الانتفاضة الاولى, في مواجهة الوحشية القتالية الاسرائيلية, اقرب الى العصيان المدني منه الى حرب تحرير. ثانيا: ان تراكمات غضب الشعب الفلسطيني بعد سبع سنين من اللهاث وراء سراب أوسلو دفعته الى نقطة اللاعودة. فقد انفضحت كذبة السلام عمليا عند الوصول الى محطة (قضايا الحل النهائي). ثالثا: لان اجهاض الانتفاضة السابقة كان من فعل القيادة الفلسطينية التقليدية فإن انتفاضة الجيل الجديد اعدت لنفسها طاقماً قياديا من طراز جديد يمارس نشاطه من الميدان في موازاة العمل البيروقراطي الدبلوماسي العقيم للقيادة التقليدية. هل نستطيع اذن القول بناء على هذه النقلة النوعية النضالية ان الانتفاضة مرشحة للاستمرارية الحتمية والتصاعد على طريق تحقيق نجاح سياسي نهائي أم ان ايقاعها سوف يتباطأ في مرحلة ما على طريق التلاشي؟ ان التاريخ البشري يفيدنا بانه بالرغم من تطور وسائل الحرب الى مستويات تكنولوجية مذهلة فإن القواعد الاساسية للحرب لم تتغير طبيعتها اطلاقا, فالعامل الاساسي الحاسم الذي يقرر النتيجة النهائية لاي حرب هو العنصر البشري. وفي هذا يقول ماوتسي تونج: (ان الانتصار في الحرب لا يقرره مضاء السلاح ولا طبيعة ارض المعركة.. انما تقرره قلوب الرجال). اننا ندرك مغزى هذه القاعدة عندما نرى ان خروج عشرات الالوف من الفلسطينيين يوميا لتشييع اربعة او خمسة شهداء لا يزيدهم الا اصرارا على الاستشهاد.. فيجرى في اليوم التالي على الفور تنفيذ عملية او عمليات ثأرية ضد الاسرائيليين. لكن المعيار الاوسع لتقييم الانتفاضة ومستقبلها هو ما حققت من انجازات واحدثت من تغييرات خلال 12 اسبوعا فقط من اندلاعها, فعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني توحد فصيل (فتح) المفترض ان يكون تابعا لقيادة عرفات مع (حماس) و(الجهاد الاسلامي) في التنظيم المظلي المسمى (القيادة الوطنية والاسلامية للانتفاضة). وانعكس هذا التطور التاريخي على المستوى السياسي لقيادة السلطة الفلسطينية فأخذت تتحدث الى امريكا واسرائيل بلغة مختلفة. ومع تململ الشارع العربي صارت انظمة حاكمة تتعامل مع القضية الفلسطينية بكثير من الحذر والتوجس في اعقاب القمة العربية التي عقدت في اكتوبر خصيصا من اجل الانتفاضة. ورأينا كيف ألغت كل من سلطنة عمان وقطر وتونس والجزائر تمثيلها مع اسرائيل. وبالجملة ادى زخم الانتفاضة الى خلق مناخ عربي جديد ذي طابع راديكالي نسبيا, ومن مؤشرات هذا التغيير انتعاش منظمات المعارضة الاسلامية وتراجع القهر الحكومي ضدها واندفاع الحكومات العربية واحدة تلو الاخرى صوب بغداد للمساهمة في جهود فك الحصار عن العراق, ولولا الاجواء التي افرزتها الانتفاضة لما التزمت واشنطن السكوت وهي ترى الحكومات العربية تعيد احياء صلاتها مع العراق في ظل حكم الرئيس صدام حسين. لو دققنا في هذه التطورات جميعا لوجدنا ان الانتفاضة الفلسطينية تحمل من عناصر القوة الذاتية مالم يكن ليخطر على بالنا.