تتمتع المجتمعات المتقدمة في دول الاتحاد الأوروبي بأعلى نسبة من مستهلكي الثقافة من قراءة الكتاب إلى السينما والمسرح والفنون التشكيلية, وربما كان الكتاب يتمتع بشعبية أكبر حيث يمكن رؤية هذه الشعبية رأي العين ، من خلال المكتبات المتخصصة في بيع الكتاب الإبداعي والدراسات التي تتناول جميع المجالات, والتي تغطي احتياجات القارئ, أي قارئ مهما كان توجهه, إضافة إلى أسواق ومعارض الكتب التي تقام عدة مرات في السنة, من معرض للكتاب الحديث, إلى معرض للكتاب القديم, إلى آخر يتحدث عن وسائل الطباعة, بل يستغل المشرفون على إنتاج الكتاب بعض الأعياد الدينية لنشر مزيد من الثقافة بالحض على إهداء الكتاب باعتباره من الهدايا ذات الدلالة, أو أعياد الربيع المرتبطة في العالم كله بالزهور, لتصبح هذه الأعياد مرتبطة في بلد مثل إسبانيا بالكتاب أيضا, أي الكتاب تحول إلى رفيق الورود في أعياد الربيع. وأيضا يمكن العثور على أرقام إحصائية يمكن أن تؤكد إلى أي مدى يحظى الكتاب بشعبية بين الجماهير, في دولة مثل إسبانيا التي يعلن المسئولون عن الثقافة فيها قلقهم من انخفاض نسب البيع وعدد القراء عن دول الاتحاد الأوروبي الأخرى, حيث تصدر سنويا ما يقرب من 60 ألف عنوان, وتقيم أكثرمن 20 معرضا سنويا للكتاب, تتوزع على مدى الرقعة الجغرافية للبلاد, إضافة إلى معرضين سنويين للكتاب القديم, أحدهما في الربيع والآخر في الخريف, لو قارنا تلك الأرقام بما يصدر في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه لمات أصحاب الكتاب: من مؤلفين ومترجمين وناشرين وبائعين كمدا, ولانتحر أكثر من ناشر خجلا من أرقام الطبع والتوزيع. لكن منذ بدأت وسائل الإعلام الحديثة تأخذ في الانتشار بين الناس, وتحول معظم الأجيال الجديدة إلى أجهزة الكمبيوتر والإنترنت, زاد تخوف المسئولين عن نشر الكتاب في الغرب عامة, إلا أنه مع مرور الوقت تبين أن هذا التخوف الذي أصاب المسئولين عن الكتاب لا مبرر له, وكذلك تخوف الناشرين وموزعي الكتب وأصحاب المكتبات, لأنه من الناحية الاقتصادية سيظل الكتاب يمثل العمود الفقري لاقتصاد الاستهلاك الثقافي. مقابل عدم انزعاج الباحثين عن ما تحققه صناعة الكتاب من ثروات, هناك فئة المثقفين الحقيقيين التي لم يزل انزعاجها بزيادة عدد العناوين الصادرة سنة بعد أخرى, بل يزداد هذا التخوف كلما كان هناك مجال للحديث عن استهلاك الثقافة في تلك المجتمعات المتقدمة, لأن الأرقام من ناحية الأرباح الاقتصادية أصبحت في (زمن العولمة) تصب في اتجاه الصناعة دون أن تصب في اتجاه الثقافة نفسها, وحسب رأي المثقفين هناك فارق كبير بين استهلاك الثقافة والثقافة الاستهلاكية, خاصة أن هذا الفارق بدأ يزداد ويتسع في السنوات الأخيرة. تؤكد الحقيقة أنه مع سباق صُناع الكتاب للحصول على أعلى نسبة من الأرباح, بدأ استهلاك الثقافة الحقيقية يتراجع في مواجهة الثقافة الاستهلاكية التي بدأت تحتل حيزا كبيرا من أرفف المكتبات, وأصبح نجومها أعلى أجرا من مبدعي الثقافة الحقيقية, بل أن دور النشر أصبحت تبحث عن نجوم من خارج الوسط الإبداعي لتصنع منهم نجوما يؤلفون الكتب وتستغل شهرتهم في تحقيق الأرباح(!). بل خلق هذا التكالب المادي بين دور النشر الكبرى على تحقيق أعلى معدل من الأرباح من وراء طباعة وتوزيع الكتب إلى خلق فئة من النجوم التي لا تقرأ ولا تكتب, ولكنها تضع أسماءها على كتب (مفبركة) على أيدي بعض المبدعين قليلي الحظ في الشهرة, والذين تدفعهم التعاسة الحياتية والحاجة المادية إلى بيع إنتاجهم لأشخاص ينكرون عليهم بعد ذلك حقوقهم الأدبية, فنشأت في الثقافة الأوروبية المعاصرة طبقتان جديدتان من المؤلفين: النجوم والعبيد. وان يؤكد البعض أن هاتين الطبقتين موجودتان منذ فترة طويلة في تاريخ الأدب الأوروبي, وربما أنهما موجودتان في حياتنا الثقافية العربية, لكنها لم تعد تمثل ظاهرة عامة في المجتمعات الأوروبية تستحق معها إقامة ندوات ومؤتمرات عامة, وبرامج تليفزيونية وإذاعية لمناقشتها إلا في السنوات الأخيرة, خاصة ما يطلق عليه النقاد (ثورة عبيد الأدب). هذه الثورة التي بدأت تظهر ملامحها خلال العام الأخير في عدد من الدول الأوروبية, وذلك من خلال كشف بعض (المؤلفين العبيد) عن أسرار كتبهم وحقيقة دورهم في تأليفها, والدافع وراء هذا الإعلان يكون عادة ناتجا عن رفض المؤلف (النجم المزيف) أو الناشر تلبية الطلبات المادية للمؤلف الحقيقي, خاصة إذا ما حقق الكتاب رواجا كبيرا, واصبح من نوعية (البست سيلر), فيطالب المؤلف الأصلي بحقوق لم يكن منصوصا عليها في الاتفاق مع الناشر أو المؤلف النجم المزيف, عندها ينفجر المؤلف الحقيقي ويثور ويقرر الانتقام بإعلان الحقيقة. شيئا فشيئا بدأت ظاهرة تمرد (المؤلفين العبيد) تنتشر حتى تحولت إلى ثورة عارمة, وبما أن القانون لا يعترف سوى بالوقائع المادية لإثبات الحقوق, فقد لجأ (المؤلفون العبيد) في ثورتهم إلى توريط (المؤلفين النجوم) في عمليات (سرقة) أعمال أدبية تخص آخرين, وذلك عبر نسخ بعض المقاطع من عمل أدبي آخر منشور, أو إخفاء بعض أسرار الكتاب بحيث يمكن الكشف عنها عندما لا يتلقى المؤلف الحقيقي الأموال التي يطالب بها. آخر تمرد في هذه الثورة حدث في الحياة الثقافية الإسبانية, وهو تمرد أحدث هزة عنيفة في تلك الحياة الرائجة والتي تمتد شهرة مؤلفيها من حدود فرنسا حتى آخر نهر في جنوب أمريكا اللاتينية, وذلك من خلال رواية جديدة نشرتها دار نشر كبرى بعنوان (طعم المرارة), تحمل الرواية كمؤلف: اسم مذيعة تليفزيونية شهيرة تخصصت في تقديم برامج يمكن وصفها بأنها (برامج صفراء), على غرار (الكتب الصفراء), لأنها تطرح في تلك البرامج قضايا شخصية وخاصة جدا, يقبل أصحابها الظهور على شاشات التليفزيون لقص أدق تفاصيل الحياة الخاصة, باعتبارها تطرح قضايا اجتماعية عامة, ومثل هذه البرامج انتشرت في السنوات الأخيرة في معظم القنوات التليفزيونية الأوروبية باعتبارها تعبير عن توجه تلك المجتمعات نحو (الثقافة الاستهلاكية), التي تدر أرباحا مادية ولا تقدم شيئا يستحق على المستوى الثقافي. دفعت دار النشر ثمانية ملايين بيزيتة (حوالي 50 ألف دولار حسب السعر الحالي للبيزيتة) كمقدم حقوق للمذيعة التليفزيونية قبل بدء الكتابة على الرغم من أنها ليست معروفة كروائية, ولم يصدر لها كتاب يحمل أسمها على الإطلاق, أو يصدر عنها ما ينم عن عبقرية خاصة في هذا المجال, وعندما صدرت الرواية تم تقديمها في حفل كبير كانت في مقدمة حاضريه زوجة رئيس الوزراء الإسباني, التي تحدثت عن الرواية وكأنها حدث إبداعي تاريخي, ووصفتها بالالتزام بقضايا الفئات المضطهدة للمجتمع الإسباني (؟!). عند طرح الرواية استغلت دار النشر بالطبع شهرة المذيعة في الدعاية, والمذيعة نفسها قامت من جانبها باستغلال برنامجها التليفزيوني للدعاية للرواية باعتبارها نتاج خبرتها في سماع الحكايات التي يرويها أبطال هذا البرنامج, فوصلت المبيعات خلال أسبوعين فقط ما يقرب من المائة ألف نسخة هي عدد الطبعة الأولى, أي حققت دخلا جديدا للمذيعة يقارب الثلاثين مليون بيزيتة (188 ألف دولار أخرى), واستعدت دار النشر الكبرى لإصدار الطبعة الثانية. فجأة وقبل أن تصدر الطبعة الثانية نشرت إحدى المجلات الرائجة شعبيا, بسبب تناولها للفضائح على طريقة البرنامج الذي تقدمه تلك المذيعة (المؤلفة), تحقيقا يؤكد أن الرواية لم تكن من تأليف المذيعة الشهيرة, بل من تأليف شخص آخر, يبدو أنه كان يعرف أن الرواية ستلقى رواجا نظرا لشهرة المذيعة, وفهم خلال عمله في تأليفها أنه لن يحصل مقابل الطبعات الجديدة على عائد مادي, فقرر الانتقام من المذيعة ودار النشر. تمثل انتقام (المؤلف المستعبد) في (نسخ صفحات كاملة) من عدة أعمال أدبية حرفيا, بل لأعمال أدبية معروفة وشهيرة ومنشورة باللغة الإسبانية وصادرة في طبعات داخل إسبانيا, ولم يبدل سوى الأسماء التي اختارتها المذيعة للعب بطولة روايتها, ومن تلك الأعمال رواية للكاتبة الأمريكية (دانييل ستيل) وأخرى لا تقل عنها شهرة وهي الكاتبة المكسيكية (انخليس ماستريتا). يبدو أن المجلة كانت على علم كامل بتفاصيل التزييف الذي كان وراء رواية المذيعة الشهيرة, أو حصلت على تفاصيل التزييف قبل صدور الرواية, لكنها لم تكشف عن كل ما توصلت إليه من حقائق مرة واحدة, بل قررت أن تتعامل معها كحدث يمكن استغلاله للتوزيع أيضا, تطبيقا لمبدأ العين بالعين, ولا أحد أفضل من أحد. اكتفت المجلة في البداية بالإشارة إلى وجود تشابه بين رواية المذيعة ورواية للمؤلفة الأمريكية, ونظرا لجهل المذيعة بما كان يحاك لها فقد استغلت برنامجها التليفزيوني لتدافع عن نفسها, وأعلنت (أن التشابه مجرد توارد خواطر ولا قصد فيه), وانه ربما حدث (لقلة خبرتها في استخدام الكمبيوتر, حيث اختلطت ملفات الرواية عند كتابتها بكتابات أخرى تحتفظ بها في ملفات متشابهة الأسماء), لكن المجلة عادت في عددها التالي لتنشر الحقيقة كاملة بعد أن تم توريط المذيعة علنا. بدا واضحا أن المؤلف (المؤلف الحقيقي) للرواية قرر إعلان الحرب, فلم تجد دار النشر طريقة للخروج من المأزق سوى الإعلان عن وقف الطبعات التالية, وسحب ما تبقى من الطبعة الأولى من الأسواق وتحميل المذيعة كل وزر عملية التزوير دون أن تبرر تعاقدها بمبلغ مبالغ فيه مع مؤلفة لم تكتب من قبل, أو تقدم العمل المتفق عليه, لأن التعاقد تم على أساس الفكرة الأساسية للرواية وليس على أساس الاطلاع على نص العمل الأدبي وتقييمه, وهذا في حد ذاته إدانة لدار النشر. عندما وجدت المذيعة نفسها في مهب الريح اعترفت أمام جمهرة من الصحفيين بأنها كانت ضحية لبعض الأشخاص الذين ساعدوها في إعداد المادة التي اعتمدت عليها في كتابة روايتها, لكن هذا الاعتراف فتح الباب أمام توجيه الاتهام لها رسميا من أصحاب حقوق الكتب المسروقة, والتي توجد صفحات كاملة منها منسوخة في رواية (طعم المرارة). لم تنته القضية عند هذا الحد, بل فتحت هذه القضية حوارا هاما على جميع المستويات الثقافية حول حقيقة ما يتم طبعه وتوزيعه على جمهور القراء, وأيضا إلى أي مدى تؤثر الحياة الاستهلاكية على الإنتاج الثقافي في المجتمعات المتقدمة, ومدى تأثير الرؤية المادية في تلك المجتمعات على إنتاجها الثقافي, وخطورة تزييف الثقافة على الأجيال القادمة, بعد أن تحولت تلك المجتمعات الغربية في زمن العولمة من استهلاك الثقافة إلى إنتاج ثقافة استهلاكية. كاتب مصري مقيم في أسبانيا