لا ندعو لبرامج كربلائية نازفة, بل هي الاستراتيجية الاعلامية العربية المشتهاة أبدا. من حق الفضائيات العربية المشغولة بسحق المنافسات الأخريات أن توزع الفرح الراقص، وترفع بعض الأمكنة المتخمة بالبؤس إلى مرتبة الاسطورة السياحية طالما ان السياسات الاعلامية متربة في أدراج الجامعة العربية. ومن حق هذه المنابر أن تحفل بالصراخ على أنواعه السياسي والاجتماعي والفني, لكن من حق الأجيال القادمة علينا أن تنتظر في نهاية هذا الصراخ بوادر الحكمة الهادئة والحوار المنتج المتمرد على النمطيات والشعارات منتهية المفعول. في بداية انتفاضة الاستقلال الفلسطينية استبشرنا بحالة نهوض جماهيرية عربية سرعان ما انطفأت حين شارك الجميع من مؤسسات رسمية وحالات ثقافية في التغاضي عن مأسسة هذا النهوض في برنامج استراتيجي وفعاليات مرحلية. عادت الفضائيات لترويج ثقافة الاستهلاك أو بالأحرى الاهتلاك إذ لا حياة لأمة نسيت الانتاج في لهوها العابث في حين انبرت أخرى لسد الفجوة في الهذر السادر مع موجات الهواء في حفلات زعيق سياسي تدعى ندوات أو حضارات بحسبة بسيطة وربما متجنية لوقت البرنامج وما استهلكته عبارات (في الحقيقة) و(غير صحيح) وجمل أخرى تعذر علينا رصدها لاختلاط واشتباك الأصوات لوجدنا ان المفيد هامشي وتوارى خلف الأسلوب التسجيلي والاصطياد غير البريء... وفي النهاية حين يحل السؤال ما العمل: يضطرب المتبارون ولا يجدون مهربا سوى اللجوء إلى الشعارات التي تبدأ بلازمة (يجب أن ...). لم يعد السؤال من ينفذنا. بل غدا متى يبدأ مشروع الانقاذ العربي, فالطاقات البشرية وفيرة ومقدرتها بادية في اشتقاق حتى آليات تفكير جديدة وأكثر جدوى ان أتيحت لها الفرصة. وسؤال الـ (متى) هذا ملغوم بضغوط خارجية وداخلية تتمثل في قوى المجتمع ذاته والصراع المزمن بين اتجاهات الحداثة والاستسلام المغري لبقاء الحال على ما هو عليه. تعرية هذه الضغوط هي الخطوة الأولى التي تفرض التوقيت, وإلى حين ذلك ليتنا نفوز ببعض الهدوء في اعلامنا المرئي الذي استمرأ اهداءنا الصمم.