مشاهدة المسلسلات عادة رمضانية محببة لدى الكثيرين. فهي تجمع الأسرة كلها بعد الإفطار, وتتيح اللقاء بين أعضاء الأسرة الذين لا يلتقون عادة بسبب مشاغل العمل, وتفتح أفقا بهيجا من السمر، والتعليق على أحداث المسلسلات التي يتبارى الجميع في إبداء الرأي حولها, وذلك في الوقت الذي تتحرك فيه الأصابع جيئة وذهابا من الفم الى أطباق الأطايب الرمضانية التي يلتهمها الجميع أثناء مشاهدة مسلسلات ما بعد الافطار. وأغلب الظن أن بهجة اللقاء والحوار لا تكمل في مثل هذا النوع من الجلسات إلا ببهجة اللذائذ, التي ترفع نسبة السكر في الدم, وتضيف الى الجسم ما يزيده وزنا وحجما ببركات السهرات الرمضانية. وكان أول ما شغلتنا به مسلسلات رمضان هذا العام في القاهرة, العودة المنتظرة للسيدة فاتن حمامة, تلك الشابة البريئة التي عشقناها صغارا وضحكنا وبكينا معها في أفلامها التي لم تخل من الدموع على امتداد تاريخها الفني الذي يقترن بأزمنة الرومانسية. وظهر معها هذه المرة في مسلسل (وجه القمر) أحمد رمزي, ذلك الفتى الرياضي الوسيم الذي كان أول مشاهدتنا له في فيلم (أيامنا الحلوة) مع فاتن حمامة وعمر الشريف وعبدالحليم حافظ, ودمعت عيوننا ونحن نرى الأصدقاء الثلاثة يغادرون المستشفى الذي ترقد فيه حبيبتهم المحتضرة فاتن حمامة. ومرت سنوات وسنوات, واختفت فاتن حمامة وأحمد رمزي, وعاد كلاهما معا في مسلسل (وجه القمر).. ولم يكن أحمد رمزي وحده نجم المسلسل بالطبع, فنجمة النجوم فاتن حمامة كانت القمر الذي تدور حوله النجوم التي تومئ الى ضيائه الفريد. ولا أعرف كم من السنوات تفصل بين ظهور فاتن حمامة في (وجه القمر) وظهورها في آخر مسلسل لها, وأغلب الظن أنه كان (ضمير أبلة حكمت) الذي كتبه الكاتب المقتدر اسامة أنور عكاشة. والمؤكد أن سنوات كثيرة قد مرت. ولم ننتبه الى كثرة عددها إلا بملامح الوجه التي تغضنت, وحركات الجسد التي تثاقلت, وبريق العيون الذي فقد توهجه. لم يعد أحمد رمزي هو الفتى الرياضي الوسيم, الذي يقفز فوق الحواجز ويندفع كما الريح ويدخل المعارك التي يخرج منها منتصرا بقوة الساعدين, وإنما أصبح شيخا في سبعينيات العمر, لا تخرج الجمل من فمه ربما نتيجة تغيير طقم الأسنان, ولا يستطيع السير إلا متباطئا متأرجحا كأنما بجهد شاق. ورغم أنه كان يتمسك بما بقي من (شقاوة) الشباب ويفتح أزرار القميص على الصدر, لكن الإعياء الظاهر على الوجه وعلى الحركة وفي النطق كان يفصح عن كل شئ, ويخبرنا نحن الذين كنا صغارا حين شاهدنا أحمد رمزي أننا بدورنا كبرنا في السن, وأصبحنا مثله, ولم ننتبه الى وقع خطى الزمن الذي أشعل رؤوسنا شيبا, وأضاف الى عيوننا عدسات النظارات المقعرة والمحدبة. ولكن الشجن الذي أثاره مشهد أحمد رمزي في (وجه القمر) لا يقارن بالأسى الذي غمر الكثير من المشاهدين أمثالي, ومن أبناء جيلي, عندما رأينا أن فاتن حمامة العزيزة, الجميلة, القريبة جدا من القلب, فعل بها الزمن الغادر ما فعل بالكثيرين قبلها, فأصبحت فاتن حمامة أخرى غير التي تعودنا عليها. المخرج والمصور يستعينان بفلاتر التصوير حتى تخفي تجاعيد الوجه, ولكن الفلاتر التي أضاءت الوجه جعلته يفقد الكثير من حميميته التي اعتدناها في السنوات التي تباعدت فيها عنا وتباعدنا عنها. وبدا صوت فاتن مختلفاً, الجمل تخرج قلقة, وحركات الجسد متثاقلة. وكان من الصعب على النفس افتقاد الصورة الشابة أو الصورة الفتية لفاتن حمامة, وهي الصورة التي ظلت تقاوم الزمن في (ضمير أبلة حكمت). حاورت نفسي كثيرا أثناء مشاهدة مسلسل (وجه القمر). وتداعت على ذهني أفكار كثيرة, وتذكرت ليلى مراد, تلك التي اعتزلت في قمة تألقها, وظلت حريصة على أن تترك صورتها الجميلة حية في أذهان جمهورها وعشاق فنها. ولم تقف ليلى مراد أمام الكاميرا عندما رأت ملامح الزمن على وجهها وجسدها. وآثرت أن تترك أضواء الفن قبل أن تدركها براثن الزمن القاسي, فظلت ملامحها حية في الأذهان. ولكن هل كانت ليلى مراد على حق في ذلك؟! لا أعرف إجابة مقنعة. المهم أن صورتها الجميلة لا تزال باقية في الأذهان نضرة, ألقة, تشع بالحيوية والجمال والفتوة والسحر والجاذبية, وصوتها الفريد لا يزال يرن في الأسماع شابا كالعهد به, يعود بنا الى زمن الفن الجميل وعلاقات الحب الرومانسية التي لم نعد نعرفها في هذا الزمان. أذكر أنني قرأت في كتاب (الفتوحات المكية) للمتصوف الكبير ابن عربي شيئا في هذا المجال. وكان ذلك حين تحدث ابن عربي عن مجنون ليلى الذي كان يؤثر صورة ليلى التي في خياله على الصورة الجسدية الفعلية لليلى. ويرجع السبب في ذلك, حسب أقوال ابن عربي, الى أن صورة الخيال تظل باقية في الذاكرة, لا تطرأ عليها عوامل الفساد والتحلل, ولا تشوهها تقلبات الأيام وتعاقب الأعوام, فلا تتغير أو تتبدل, وتدوم على الزمن. وعلى العكس من ذلك صورة الجسد المادي التي سرعان ما يغادرها البهاء, وتناوشها أظافر الأيام التي تخدش جمالها شيئا فشيئا فلا يبقى منها سوى ما يبعث الحسرة على الأيام الخالية والسنوات البعيدة الماضية. هل كان على فاتن حمامة أن تفعل ما فعلته ليلى مراد؟! الإجابة صعبة, خصوصا حينما نضع في اعتبارنا حرص الفنان الحقيقي على الوجود والاستمرار والعطاء. وقد لعبت فاتن حمامة دور الأم التي يعود إليها زوجها القديم بعد حوالي ربع قرن من وفاته المزعومة ولكن حرص المخرج والمصور على تغطية آثار الزمن على وجه فاتن حمامة بحيل التصوير لم يكن في صالح صدق الاداء أو التمعن في انعكاس الأحداث على ملامح الوجه. ولذلك ظهرت المفارقة العمرية التي أصابت الكثيرين من أمثالي بالأسى على الشباب الضائع والتغير الذي ظهرت ملامحه السلبية فجأة وعلى غير انتظار. وليت الأمر اقتصر على ذلك, فقد عادت فاتن حمامة إلينا من خلال قصة مهلهلة, ساذجة, لم تقنع الكثيرين, فأضافت هلهلة القصة, كما أضاف افتعال الأحداث, الى المسلسل ما حجب عنا وجه القمر الذي لم يظهر لنا سوى بقايا جمال قديم.