مع حلول الذكرى الخامسة والاربعين لاستقلال السودان في الاول من يناير الجاري اتساءل بأثر رجعي: ألم يكن خروج بريطانيا من السودان مبكرا؟ مقدمة الاستقلال المتمثلة في الحكم الذاتي بدأت عام 1954 وامتدت لسنتين بالضبط حين اعلن الاستقلال نفسه في عام 1956. وبينما تميزت مرحلة الحكم البريطاني التي شغلت حيزا زمنيا طوله 55 عاما ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر بخط بياني تصاعدي نقل البلاد من حالة أشبه بعصر القرون الوسطى الى مستوى كيان الدولة الحديثة في القرن العشرين بقفزات نوعية مذهلة التسارع فإن مرحلة الحكم الوطني ظلت لمدى الخمسة واربعين عاما التالية حتى اليوم متميزة بخط بياني يتراجع بانتظام مع تعاقب الحكومات الحزبية والانقلابية. مرحلة الحكم الوطني لم تفشل في تحقيق انجازات استراتيجية فحسب, بل فشلت حتى في المحافظة على المؤسسات الادارية والخدمية والاقتصادية والتعليمية التي ورثها الحكم الوطني عن الادارة الاستعمارية البريطانية. في ذروة فترة المقاومة الوطنية للحكم البريطاني كان كبار المسئولين البريطانيين في كل من الخرطوم ولندن يحذرون من ان السودانيين لم يصلوا بعد الى مستوى تحمل مسئولية حكم انفسهم بأنفسهم وانهم بالتالي يحتاجون لتدرج دستوري سوف يستغرق زمنا اطول قبل ان يكون السودان مهيئا للاستقلال والحكم الوطني. واذا كنا بالامس ابان اندفاع تيار الحركة الوطنية نسفه مثل هذا القول ونعتبره مماحكة بريطانية وحيلة لمد أجل الاستعمار البريطاني للبلاد, فإننا يجب اليوم ان نتوقف لنعيد النظر في هذا القول في ضوء الانهيار الشامل الذي اخذت بوادره في التبلور منذ أول وهلة من اعلان الاستقلال في خمسينيات القرن المنصرم. نتحدث الآن عن انهيار جهاز الخدمة المدنية وعن انهيار البنى الاساسية الاقتصادية والخدمية وعن مشكلة جنوب السودان التي استعصت على كل حل. لكننا لا نحب ان نقر بأن جذور هذه المآسي تعود الى اعلان استقلال لم يكن السودانيون, قيادات وشعبا, مؤهلين لتحمل تبعاته. كمقدمة للاستقلال نفذ مشروع (سودنة) الوظائف القيادية في الخدمة المدنية.. اي احلال سودانيين مكان القياديين البريطانيين في مختلف الدوائر الحكومية. لكن لم يكن هناك العدد الكافي من السودانيين المسلحين بالمؤهلات الاكاديمية والخبرات الطويلة العميقة.. وروح المسئولية العامة. وكانت النتيجة تدهور مستويات الخدمة العامة وانتشار الفساد على ايدي موظفين قياديين كان اغلبهم في الاصل من اصحاب المهن الكتابية المتواضعة. وتلك كانت جرثومة الانهيار الاقتصادي اذا اضفت اليها ممارسات القيادات السياسية التي تولت مناصب السلطة العليا. اما مشكلة الجنوب فقد تفجرت حتى قبل ان يعلن الاستقلال, فالتمرد العسكري الجنوبي الذي وقع في اغسطس 1955 كان رد فعل فوريا للجنوبيين على خروج الاداريين البريطانيين من الجنوب والشمال معا كتمهيد للاستقلال. وربما تتحمل الادارة البريطانية مسئولية تاريخية في تطبيق سياسة لتنفير الجنوبيين من الشماليين. لكن ابتداء من عام 1947 تبنت الادارة البريطانية سياسة مغايرة تهدف الى اعادة الثقة بين الجنوب والشمال مدعومة ببرنامج يتضمن مشاريع سياسية واقتصادية وتعليمية لتضييق الفجوة بينهما. لكن مع اقتراب السودان من الاستقلال قبل موعده انقطع تنفيذ البرنامج في منتصف الطريق. ما يواجهه السودان الآن بعد 45 عاما من الاستقلال هو كيفية اعادة بناء البلاد على ضوء الماضي وتحديد مستقبل جنوب السودان بعد ان خرجت قضيته من الاطار المحلي. وهذان تحديان يستحيل مواجهتهما الا بإجماع قومي.