(خسرت أمريكا بفعل قرصنة السطو على حقوق طبع المصنفات الالكترونية مبلغ 4.12 مليار دولار فى كل عام) (عشنا وشفنا سنين.. ومن عاش.. يشوف العجب) هو مطلع أغنية قديمة.. عمرها الآن يزيد على مئة سنة وقد وضع كلماتها شاعر كبير من مصر هو اسماعيل صبرى باشا. ولو كان (شيخ الشعراء) كما كانوا يسمونه على قيد الحياة لزاد فى نبرة الاستغراب الشديد, ربما الى حد الذهول ازاء ماأصبح يكتنف المجتمع البشرى فى زماننا الراهن من أوضاع تدعو الى هذا الاستغراب أو الذهول. وحين شمرنا عن ساعد الكتابة حول تأملات آخر القرن واخترنا لهذه الأحاديث الثلاثة محور يدورا حول قطبى الحلم والكابوس فى بلدان ماكان يعرف فى السابق باسم الستار الحديدى.. بمعنى أن حلم التغيير أو التحول من النظام الشيوعى الى الحكم الديمقراطي ما لبث أن تحول فى أرض الواقع الى كابوس من الفساد الذى ضرب أطنابه فى مواقع شتى من مجتمع دول الستار الحديدى.. المعسكر الاشتراكى السابق.. وكان نظام يلتسين الذى حكم من الكرملين الروسى حتى العام الماضى تجسيدا لهذا التحالف الشرير المقيت بين أركان القابضين على مقاليد السلطة السياسية دين المتربحين من هذه السلطة وسائر القوى الاحتكارية والانتهازية التى استباحت اغتنام كل شئ وسرقة كل مورد واستغلال كل ماتصل اليه ايديها الملطخة بسواد الجريمة والانحراف. تقرير أمريكى خطير وفى غمار عكوفنا على مادة هذا المبحث الذى أوليناه اهتمامنا من منظور التنبيه الى ذيول منظومة الفساد هذه التى يمكن أن تلحق بحياتنا فى وطن العرب المسلمين.. جاءت بمصادفة بحثية سعيدة كما نتصور أخبار أحدث تقرير فى نفس الموضوع اذاعته دوائر البيت الأمريكى الأبيض وهو عبارة عن دراسة استغرقت سنتين كاملتين بتكليف من الرئيس كلينتون شخصيا وعكفت فيها رئاسية رفيعة المستوى على متابعة ظواهر استجدت للأسف فى هذه الحقبة التى تستقبل أولى سنوات القرن الحادى والعشرين ظواهر قبيل.. الجريمة المنظمة بمعنى نشاط عصابات المافيا. وقد اكتسبت أكثر من جنسية بخلاف الاصل الذى نبعت جذوره من جزيرة صقلية تحت شعار المافيا الايطالية المعروف نوسا كوسترا. الفساد بسلوكياته المعروفة أو المستجدة وأخطرها ذلك التحالف الذى المحنى اليه بين السياسة والانحراف وهو تحالف صاحب القرار مع صاحب المصلحة ويتم على حساب المصالح القومية العليا للشعب وموارده وثرواته وحقوق ابنائه ومستقبل أجياله. الجريمة العابرة للحدود أو ما يعرف يوما فى أدبيات الأمم المتحدة باسم الجريمة عبر الوطنية وتلك ظاهرة نابعة بالضرورة من سابقتيها خيار تنشيط المافيا عبر جنسياتها الجديدة لتنشر نشاطها الاجرامى فى أقطار شتى وحيث الفساد الذى يتشكل فى منظومة متكاملة أو شبه متكاملة لا يتورع عن ارتياد اسواق خارج وطنه الأول سواء لايداع الأموال المنهوبة فى المصارف الأجنبية أو لاستيراد أموال قذرة يقوم بغسلها فى مصارفه الوطنية أو لتصدير هذه الأموال المشبوهة الحرام (اذا استخدمنا تعبيرنا الاسلامى الجليل) ليتم تبييضها فيما اصبح يسمى بالمنافذ الأمامية أو الأنشطة الغطائية التى تعمل عبر الحدود. عامان للبحث الدقيق على مدى عامين كاملين.. نشطت لجنة كلينتون فى دراسة الموضوع وهو كما لا يخفى على فطنتك موضوعنا فى هذا المبحث وخرجت بتقريرها الذى أودعته وثيقة فائقة الأهمية من 120 صفحة هى تلك التى اذيعت محتوياتها يوم الجمعة 15 ديسمبر الماضى بواسطة مجلس الأمن القومى فى البيت الأبيض. وذلك لأن القوم تدارسوا الموضوع من منظور الأمن القومى الأمريكى.. أى من حيث علاقته ومن ثم الاخطار التى تنجم عنه بالنسبة الى المصالح الأمريكية العليا. وتتبع مصداقية مثل هذا التقرير من واقع أن أمريكا نصبت نفسها طيلة السنوات الأخيرة من القرن العشرين داعية بحكاية العولمة ومبشرة بثمارها ومزاياها.. دع عنك تأكيدها على الثمار اليانعات والمزايا الرائعات التى قالت أن سيجنيها العالم من تكنولوجيا المعلومات وما أحرزته من تقدم ملحوظ ومشهود سواء فى مجال ثورة الاتصال الفضائية (الاقمار الصناعية) أو ثورة الحواسيب (الادمغة الالكترونية) ولم تكن أمريكا بالطبع لتبشر بهذا كله من باب التطوع الخيرى أو السلوك الايثارى ازاء عالمها.. بل كان هذا كله يقصد موضوعيا الى اقرار وتأكيد التفوق ان لم تكن الهيمنة الأمريكية فى اطار العولمة فضلا عن الترويج التسويقى لمصلحة المعلوماتية من معدات وبرمجيات وأسلوبيات حاسوبية وقد أصبحت تحتل قمة فواتير الصادرات الأمريكية الى كل انحاء العالم. التقرير الأمريكى المنشور يحذر فى صرامة واضحة من ان ثمة (تهديد متزايد يلحق بالأمن القومى الأمريكى وهو خطر حقيقى يتمثل فى ذلك النشاط المحموم الذى تقوم به حاليا والحديث للتقرير المذكور عصابات روسية وحقيقية ونيجيرية وشرق أوسطية(!) وايطالية مستغلة فى ذلك أوضاع العولمة من جهة وتقدم التكنولوجيا من جهة أخرى لكى توسع آفاق أنشطتها وتتفادى الوقوع فى قبضة الشرطة. ماهى طبيعة هذه الأنشطة الاجرامية غير الوطنية؟ يجيب التقرير الأمريكى: هى منظمات الارهاب وصناعة المخدرات وتهريب الأجانب غير الشرعيين والاتجار فى النساء والاطفال وانتهاكات (بمعنى سلب) حقوق الطبع والتأليف والنشر بل وسرقة السيارات وقطع غيارها. وتلك جرائم أصبحت من الجسامة والاتساع والخطورة لدرجة اننا (مجلس الأمن القومى الأمريكى) ندعو جميع دوائر انفاد القوانين (الشرطة ومافى حكمها) فى العالم الى معاملتها بوصفها جرائم عالمية (بل كوكبية) تلحق أبلغ الأذى بالأمن القومى وتقتضى من ثم أعلى مستوى من التيقظ والانتباه. لصوص بلا حدود فى موضع الاجمال.. اختارت الصحافة الامريكية (نيويورك هيدالدتربيون ممثلا) ان تنشر محتويات التقرير المذكور تحت عنوان طريف يقول: لصوص بلا حدود, ومع ذلك فلم تستخدم الصحيفة المصطلحات المعروفة فى متن اللغة لتدل على اللصوص الحرامية أو السراق بل استخدمت تعبير (موبستر) دلالة على أفراد ورؤساء عصابات المافيا أو الجريمة المنظمة وهى بداهة العضو الاساسى فى منظومات الفساد. وهكذا عشنا وشفنا كما على نحو ما بدأنا به هذا الحديث منظمات اجرامية يسع نشاطها الشرير كرة الأرض المعمورة على اتساعها (لصوص بلا حدود) على وزن (أطباء بلا حدود) أو (صحفيون بلا حدود) ولا حول ولا قوة الا بالله. تجارة البشر وعلى سبيل التفصيل يضيف التقرير الأمريكى: فى مجال تجارة الرقيق الأبيض.. تدل الاحصاءات على أن عام 1997 شهد بيع نعم بيع 50 ألف امرأة وطفل سيقوا الى حيث العبودية فى أمريكا وحدها فى حين أن الرقم المناظر أو المقارن على مستوى العالم - (التقرير يستخدم مصطلح مستوى العولمة) كان 700 ألف نحو ثلاثة أرباع مليون سيدة وطفل تعرضوا للبيع والشراء والاتجار فى سوق النخاسة المستجد مع غروب القرن العشرين, وهو قرن الطيران وتكنولوجيا الاتصال وثورة الحاسوب وتحطيم الطاقة الذرية وحركات التحرير الوطنية وانشاء مفوضية الأمم المتحدة السامية المعنية.. بحقوق الإنسان! ولان الجريمة المنظمة, بكل أبعادها اللانسانية قد تجاوزت الحدود الوطنية.. واصبح (مسرحها هو العالم بأسره.. فقد كان حريا بالقوم أن يتنادوا الى اجراءات عملية ليتخذونها قبل فوات الآوان. وربما تكمن فى هذا ميزتهم النسبية بالمقارنة بنا نحن اليعاربة الميامين.. كم من المواثيق دبجناها ومهرناها بتواقيعنا ثم أودعناها بسلامة المولى فى أدراج الجامعة العربية مكتفين منها بتسجيل موقف باشاعة حالة من الرضا الشديد الموهوم عن النفس. وكم من مشاكل قمنا بتشخيصها.. وأعدنا تشخصيها أكثر من مرة دون أن تخطو, ولو بعض خطوات على طريق التنفيذ العملى. فعاليات المؤتمر الدولى لقد سارعت الولايات المتحدة الى حضور المؤتمر الدولى الذى عقد مؤخرا فى باليرمو - صقلية - (وهى كما أسلفنا الموطن الأصلى للآباء الروحيين جود فازرز رؤساء عصابات المافيا.. ولا فخر!) وقد ضم المؤتمر 150 دولة وحمل عنوان (محاربة الجريمة الدولية) و شملت فعاليات المؤتمر المذكور بحوثا ومداخلات حول غسل الأموال والفساد واعاقة سير العولمة وتشكيل عصابات الجريمة المنظمة كان مطروحا على المؤتمر 3 بروتوكولات دولية تتعلق بقضايا تهريب الأسلحة بطريقة غير مشروعة (وهى التى تعد وقودا لتأجيج نيران الحرب الأهلية وخاصة فى أقطار العالم الثالث) وتهريب البشر نساء وأطفال بالذات ولأغراض فى مقدمتها تجارة الجنس وعمالة الاطفال وكذلك تهريب المهاجرين الذين يتم ادخالهم الى بلدان أوروبا وأمريكا من أبواب خلفية وبطرق غير مشروعة وبعضهم يستخدمون بواسطة المافيات الاجرامية لعمليات الانتاج السلعى فى مايسمى (مشاغل العرق) أو (دكاكين الكادحين) وهو نوع من (رق العمل) أن اجزنا هذا التعبير. أساليب اجرامية متقدمة ولعل الأمر الخطير يكمن فى أن عصابات الاجرام الدولى هذه باتت تستخدم أساليب غاية فى التقدم والتعقيد والفعالية لتحقيق اغراضهم.. لقد جاءت ظاهرة العولمة وقد سبقها انهيار النظام السياسى الاقتصادى الاشتراكى وهو فى الأصل نظام يقوم على التخطيط المركزى مجسدا فى تحكم الدولة وسيطرتها ورقابتها على وسائل ومؤسسات وأساليب الانتاج جاء هذا كله مبشرا بالسوق الحرة المفتوحة وقد رفعت عن اقدارها يد الدولة وضوابط الحكومة.. سوقا نادوا بان لا يحكمها ضابط ولا يسيطر عليها رقيب سوى قوانين العرض والطلب وفى اطار هذا الانفتاح السداح مداح- كما وصفه يوما استاذنا الكاتب أحمد بهاء الدين عليه ألف رحمة ظلت المافيات الدولية تصول وتجول فى سوق تجارة دولية مفتوحة للتبادل المشروع والمشبوه.. بل واستثمرت قوانين حرية تدفق المعلومات لكى تجرى تحويلات فى الأموال وتنقلات فى الأشخاص وتحريكات فى السلع عبر أقطار المعمورة وأرجائها وفى ظل تصرفات واجراءات أغلبها يتبع انماطا مشبوهة فى التهريب وخرق القوانين. ومرة أخرى ينبه الاخصائيون فى هذا المجال ونحن بدورنا ننبه أنفسنا الى ما المحنا اليه من قبل بان الفساد هو منظومة جماعية بالدرجة الأولى.. وليس مجرد انحراف فردى أو شخصى.. وهو فى التحليل الأخير تحالف مشبوه بين السياسة والاقتصاد أو بين النفوذ السياسى والفعاليات المالية وقد وصل هذا التحالف الى مدى بعيد بعيد.. مما جعل القائمين على مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فى واشنطن يحذرون من نتائجه قائلين: ان الجريمة المنظمة تنوعت أساليبها دوليا بعد أن أصبحت متداخلة بل متعانقة أكثر وأكثر مع النخب السياسية فى البلدان المضيفة لها (بلدان تواجدها) مما جعل مكافحتها الفعالة أمرا هو من الصعوبة بمكان. وخذ فى هذا المضمار مثلا بالغ الدلالة. المثل اسمه سولذت سيفو. وهو اسم المافيا الروسية.. انها كما تقول أوساط المركز الاستراتيجى الأمريكى عاكفة على مشروع جسيم وخطير يعمل, على الأرجح, بناء طريق سريع رئيسى يشق موسكو أو يجتاز مشارفها ويتم من خلاله نقل الهيروين من مصادره الأصلية فى جنوب شرقى آسيا. والصين أيضا واذا كان هناك من يحاول قائلا أن حال روسيا وعاصمتها موسكو أصبح يصعب كما يقولون على الكافر اذا تدهورت الظروف مما أورث قيادتها الحالية (بوتين) تركة مقيتة مثقلة بأوزار حقبة يلتسين.. فالحاصل أن الصين ليست منزهة ولا مبرأة عن هذا النمط الخطير من الفساد المنظم.. ورغم ان الصين مازال بها ضوابط معمول بها ورقابة حكومية وحزب حاكم ينفرد باقدار البلاد الا ان المافيا الصينية وتضم جماعات الجريمة المنظمة وتحمل اسم (عصابة الدائرة الكبرى) لا تتورع عن التعامل فى كل ألوان الجريمة والانحراف: جلب مخدرات.. تهريب مهاجرين.. سرقة سيارات.. اختلاس أموال, فضلا عن قرصنة الحاسوب التى تغير على شبكات الاتصال الالكترونية بل وتحتفظ بوصلات حاسوبية تربط بين الصين الأم وبين كل حى صينى (تشاين اتلون كما يسمونه) قائم فى كل انحاء العالم. (الميزة النسبية هنا هو استخدام اللغة الصينية برموزها وحروفها وايقاعاتها التى لا يكاد يعرفها أحد غير الناطقين بها). وهذا المجال المعلوماتى بالذات هو الذى يؤرق دوائر السياسة وانتاج المعلوماتية فى الولايات المتحدة.. ولعله كان فى مقدمة الدوافع التى جعلت الرئيس كلينتون يوجه الى بحث الموضوع فى لجنة على مستوى مجلس الأمن. وفى هذا السياق يقول التقرير الأمريكى: ان أخطار (القرصنة الصينية) ليست أمورا نظرية ولا سيما بالنسبة لدوائر التجارة ودنيا الأعمال فى أمريكا. أن مؤسسات أو جماعات الجريمة فى الصين وجنوب شرقى أسيا أصبحت فى مركز القيادة فيما يتعلق بالسطو على حقوق الطبع والنشر وحقوق العلامات التجارية المسجلة ممايهدر حقيقة صناعة المعلوماتية فى أمريكا. ويكفى أن نقول: يضيف التقرير الرئاسى الذى احلنا اليه ان من بين كل 3 أقراص الكترونية مدمجة (سى. دى) منتجة على مستوى العالم كان واحد منها لا يعود بأى ربح على المنتج الذى تجشم الجهود وانفق الأموال كى يسجل باسمه ولمصلحته الانتاج المعلوماتى المذكور. المليارات الضائعة هذه القرصنة مشكلتها الأساسية أنه يصعب أن لم يكن يستحيل التصدى لها أو مكافحتها على نحو معقول من حيث الفعالية. ولكنها تكلف الخزانة الأمريكية أموالا أكثر من طائلة على شكل خسائر فادحة يمنى بها الدخل القومى الأمريكى فى كل عام. أن أمريكا تخسر بفعل هذه القرصنة مبلغ 4.12 مليار دولار فى كل عام بسبب هذا الاجتراء.. أو السطو على حقوق طبع المصنفات الالكترونية واصدارها سرقها قراصنة فى غاية المهارة والشطارة ينتمون الى جنوب شرق أسيا ألم نقل أن الأمر ماس بحق بعصب المصالح القومية العليا فى واشنطن. ماذا اذن عن اخوانهم فى حرفة المافيا فى وسط أوروبا وفى شرقها؟. الى ختام هذه الأحاديث كاتب سياسى من مصر