كتاب (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) للدكتور (جون جراي) حقق رقماً قياسياً في حجم المبيعات في الولايات المتحدة فقط وبطبعته الانجليزية, وقد ترجمته دار الأمل للنشر في الأردن ولا أدري حجم الاقبال عليه, لكنه كتاب جيّد وطريف ويستحق القراءة والمطالعة فقد تجد فيه المرأة ويجد فيه الرجل إجابات واضحة لتساؤلات وعلامات استفهام كثيرة عجزوا عن فهمها أو تغافلوا عنها وأثرت بشكل سلبي على حياتهما العاطفية والزوجية. إن أول ما يقرره (جون جراي) في كتابه حقيقة مهمة جداً تقول: (إن الرجال والنساء ليسوا مختلفين فقط في طريقة التواصل والتعبير, بل هم كذلك في طريقة التفكير والإحساس والإدراك وردود الأفعال والحب والحاجة والتقدير, إنهم ــ أي الرجال والنساء ــ يبدون كما لو كانوا قادمين من كواكب مختلفة, ويتحدثون لغات مختلفة, ويحتاجون أشياء مختلفة). من هذه الحقيقة ينطلق الكاتب للخوض في قضايا العلاقات الإنسانية المتشعبة بين المرأة والرجل في جميع صورها ومواقفها وردود أفعالها, شارحاً بشكل فيه الكثير من المفاجأة للقارىء كيف يقع كل من المرأة والرجل ضحايا الاعتقاد الخاطىء بأن الطرف الآخر عليه أن يفكر بطريقته ويتفاعل مثله في المواقف المشابهة مما يولد الكثير من الاحتكاكات والصراعات غير الضرورية نتيجة عدم الإدراك الواعي للاختلافات الجذرية في طريقة التفكير والتفاعل. إنه في الوقت الذي يعود فيه الرجل إلى منزله وفي داخله معاناته الخاصة تجاه مشكلة ما, فإنه عادة ما يتوقع من زوجته أن تدعه في حاله محترمة صحته وهدوءه مفسحة له المجال برحابة صدر في أن ينزوي مفكراً ومتأملاً وكأنه يدخل إلى كهف ذاته باحثاً عن الأمان والصفاء, بينما تتصرف المرأة عكس ذلك تماماً, فالمرأة عندما تقع فريسة الضغوط والمشاكل ولأنها مختلفة جذرياً عن تركيبة الرجل فإنها عادة ما تحتاج إلى الحديث بصوت عالٍ عن مشكلتها وفي هذه الحالة فهي بأمس الحاجة لمن يستمع إليها ويشاركها الشعور والتفاعل. هنا يحدث الاحتكاك, فالمرأة تغامر كثيراً باقتحام عزلة زوجها والإلحاح عليه بالكثير من الأسئلة ظناً منها بأنه ــ مثلها ــ بحاجة لمن يستمع إليه وينفس أمامه عن مشكلته, في حين أن الرجل إذا رأى زوجته في حالة امتعاض أو تذمر فإنه يعتقد بأنها بحاجة لمن يتركها لهدوئها وكهفها وبالفعل فهو يتركها ويمضي.. هنا تفسر المرأة موقف زوجها بالتجاهل وعدم الإحساس بها, ويفسر الرجل اهتمام زوجته بالإزعاج والمضايقة, فتثور هي لموقفه فلا يفهم, ويغضب هو لحشريتها فلا تفهم.. ويستمران في الذهاب بعكس الاتجاه. إن أكبر خطأ يقع فيه الرجل في علاقته بالمرأة في هذه المواقف انه يقدم لها الحلول والمشاعر بشكل واهن وضعيف بينما تمعن المرأة في تقديم النصائح بلا داعٍ وبدون أن يطلب ذلك.