شحنة الأبقار الباكستانية المصابة التي تردد أنها دخلت البلاد عبر بعض المنافذ كانت حديث المجالس طيلة شهر رمضان, وجعلتنا نتوجس من أكل اللحوم وما تدخل في تكوينه من مأكولات شعبية كالهريس والشمبريش وموائد الولائم. والحقيقة انها كانت مناسبة لاقلاع البعض عن تناول اللحوم بشكل عام بعد الأمراض الخطيرة التي نسمع عن انتشارها بين الحين والآخر, بدءا من الحمى النزيفية وجنون البقر وصولا إلى حمى الوادي المتصدع والحمى القلاعية وحمى النيل الغربي وانتهاء بسلسلة طويلة من الأمراض التي تنتقل إلى الإنسان حتى عبر ذرات الهواء, وبالتالي كانت الوقاية الأنجع الامتناع عن استيرادها, حيث تضمنت القائمة السوداء صفا طويلا من دول العالم التي نستورد منها احتياجتنا الاستهلاكية من اللحوم. ولعلنا في هذا العالم نعيش ضمن منظومة تحكمها العولمة التجارية والمنفعة الاقتصادية وضرورات المنافسة الشرسة بين الدول الصناعية, فالمنتجات التي تغزو أسواقنا قد لا تكون لنا يد في دخولها وهو ما يجعلنا نتفاجأ بين الفينة والأخرى بوجود سلع غريبة تتنافى مع قيمنا الإسلامية وعروبتنا, تماما كما نتدارك في اللحظات الحرجة ان المنتج الذي حظر تداوله في بلد أوروبي ما يجب أن يسحب فورا من أسواقنا المحلية بعد أن كان قد قدم للعرض وأشبع طلبا. ويحضرني في هذا السياق ما آلت إليه الأوضاع في بلد مثل اندونيسيا, حين انشغل المزارعون أثناء اشتداد محنة أسواق المال الآسيوية التي عصفت بالاقتصاد الاندونيسي بمشكلة لم تكن في حسبانهم, وتحير الجميع أمام سؤال واحد: كيف يمكن استيراد الحبوب التي يتغذى عليها الدجاج الأجنبي المدلل بعدما فقدت (الروبية) العملة المحلية قيمتها؟ بقي ذلك سؤالا مطروحا لبرهة, ولم يجد أي من المزارعين بديلا صالحا لتغذية هذه الدجاجات المستوردة. ومع تفاقم الأزمة المالية, اضطر المزارعون الاندونيسيون في النهاية إلى اصدار حكم بالذبح الجماعي على ثروتهم من الدجاج المستورد والعودة إلى السلالات المحلية التي قد تكون أقل جودة لكنها أيضا أقل تكلفة حين يتعلق الأمر بنوع العلف, وبالطبع لم يكن البديل المحلي كافيا لسد حاجة شعب ضخم يعتمد على (اللحوم البيضاء) الدجاج كمصدر رئيسي للبروتين, وكادت الأزمة الاقتصادية في اندونيسيا أن تتحول إلى كارثة غذائية. ومن المؤكد ان المشكلة التي واجهها المزارعون الاندونيسيون سلطت الضوء على أهمية التحذير الذي أطلقه علماء الهندسة الزراعية من خطر اعتماد الدول النامية على سلالات الحيوانات المستوردة لهثا وراء الحجم الأكبر والانتاج الأغزر ومن ثم الربح الأوفر, ودائما ما تكون النتيجة اهمال الثروة الحيوانية المحلية وضمورها عاما بعد عام. ومحليا تسير دولة الامارات بخطى واسعة في مجال التنمية الزراعية والحيوانية, وبالأخص في مجال انتاج الألبان والدواجن وبيض المائدة, حيث أصبحت هذه المنتجات تلبي نسبة كبيرة من احتياجات الأسواق المحلية, إلا ان هنالك مجالات أخرى لو طرقها المستثمرون الوطنيون لاكتشفوا انها ليست مغامرة كما ظنوا من قبل وبخاصة في مجالات النخيل والانتاج الحيواني, وهذا لا يتأتى عفو الخاطر بل بدعم وتشجيع من الدولة وضمان الأمن الغذائي لها, خصوصا إذا ما علمنا ان السلالات المحلية من الحيوانات والطيور هي الأصلح للبقاء في مواجهة الظروف المناخية والغذائية التي تتهيأ لها في بيئتها بفضل خصائصها الوراثية, وبالتالي نستطيع انقاذ العديد من السلالات المحلية في ثروتنا الحيوانية من خطر الانقراض الذي يتهددها, ونضمن لأنفسنا لحما صحيا سليما لم يعرف في تاريخه العتيد أمراض القرن المعاصر.