أأرضى أن أكون بكل دربٍ سراجاً ما به في الليل زيتُ هذا تساؤل كل شاعرٍ حقيقي يجد نفسه في غربة دائمة, يعطي ولا يأخذ, يبذل ولا يرجو نوالاً من أحد, يعيش وينتهي تماماً كقول شاعرنا الكويتي الغريب الدكتور خليفة الوقَيّان, سراج ما به في الليل زيت, وذلك لطول ما أعطى من مشاعر احترقت لتضيء لسواه حتى انتهى نهايته تلك. أما ذلك البيت فهو آخر بيت في قصيدته غربة التي نجدها في مجموعته مخترات تلك التي مطلعها: غريب إن مضيت وإن أتيتُ وناءٍ, إن دنوتُ وإن نأيتُ والقصيدة ليست بطويلة فهي اثنا عشر بيتا فحسب ولكنها قليل من الشعر الحقيقي يغني عن كثير من النظم الممجوج عند المحافظين على أصول الشعر وعن كثير الهذيان المنثور عند زعماء التجديد. فالقصيدة غربة شاعر, هكذا هي باختصار غربة يعيشها كل شاعر حقيقي يعطي بلا أخذ يدفع بنفسه في أتون الشاعرية الحقيقية المحرقة, يعيش لا كما يعيش سواه من المرتزقة من الشعراء المدّاحين قالبي الحقائق مزوري التاريخ, فأولئك متخمون يملأون بطونهم ذهباً بعد ان ملأوا أفواههم شعراً أو شبيهاً بالشعر مزوراً كذاباً وإنهم لكثر. أما الشاعر الحقيقي فهو دائما ذلك الغريب كما يصفه شاعرنا الوقَيّان: أقلّبُ في وجوه الناس طرفي وأسأل في الدروب إذا مشيتُ وكل يبتغي في السير قصداً وأسعى لست أعرفُ ما ابتغيتُ كأني واقف والدرب حولي يموجُ بأهله أنّى مضيتُ هكذا هو الشاعر الغريب لا يعرف أين يذهب في دروب الحياة هذه المكتظة بالأفاقين الكذابين الانتهازيين, فغربته ليست آتية من جهله لكنها آتية من معرفته, معرفته بحقيقة ما حوله, لذلك هو واقف وقفة المشدوه من كل هذا الزيف الذي يملأ الطرقات, طرقات الحياة يقلّب طرفه في وجوه الناس يقول: أبشرٌ هؤلاء أم ماذا؟ ما هذا الغش والكذب؟ ما كل هذا الزور الذي ملأ الأنفس وغير الوجوه؟ ففي هذه الحياة أكثر الناس الذين يعيشون الحياة كما هي يعرفون إلى أين يذهبون, يعرفون دروبها, مخارجها ومداخلها وسراديبها. أما الإنسان الشاعر الحقيقي الذي لا يعرف للحياة إلا وجه الحقيقة والصدق فلا يعرف أين يذهب بصدقه هذا في هذه الدروب المقفرة. لذلك هو ممزّق مشتت يقول: يمزقني إلى ما لست أدري حنين من لواعجه اكتويت ويعصف بي شتاء من ضياعٍ كناءٍ ما له في الأرض بيتُ وهو ليس بالغر الجاهل غير المجرب بل هو الذي ورَدَ كل مناهل الحياة وعرف أسرارها وخاض تجاربها فعرف حلوها ومرها, زيفها وصدقها. لذلك هو حائر لأنه لا يرتضي ما تفرضه علىه الحياة وواقعها فهو دائم الحنين إلى تلك الآفاق البعيدة التي يريدها ولا يجدها يقول: وردتُ من المناهل كل ثغرٍ وجُبتُ من المسالك ما ارتضيتُ لعلّ الشوق يحملني بعيداً لآفاق لها دَنِفاً سعيتُ وهو لذلك آسف على نفسه وبذله وعطائه الذي بذله وسُقياه وبقائه, هو ظامىء دون رِيّ ودون درب ودون ضياء في دروب الحياة التي أنارها لسواه فكان رياً بكل كأس ورحيقاً لكل روح وسراجاً لكل تائه ثم انتهى به الأمر يقول: وكنتُ مع الغديرِ العذب نبعاً سقيتُ الظامئين وما ارتويت وبين النيّرات جعلتُ نفسي شهاباً غير أنّي ما اهتديتُ وفي كل الكؤوس صهرت روحي رحيقَ الشاربين فما انتشيتُ أرضى أن أكون بكل دربٍ سراجاً ما به في الليل زيتُ وسواء رضي شاعرنا الوقيان أم سخط, هذه نهاية كل شاعر حقيقي بل كل إنسان حقيقي يأبى الزيف وينشد آفاق الحق والعدل البعيدة.