اذا نظرنا في الادبيات العربية, واستقرأنا آراء المفكرين والادباء, وراجعنا كتابات المحللين والباحثين نجد ان هناك قناعة قوية بأن الانسان العرب يعاني من تضخم النزعة الفردية الانانية التي تضرب عميقا، في مفاوز نفسه, وهذا يعني ان انساننا يحب لشخصه اكثر بكثير جدا مما يحب لغيره ويسعى الى تحقيق مصلحته الخاصة بأي ثمن, وان تم هذا على حساب الآخرين, او بطريقة تمس بالوطن والامة. وربما يحق لنا ان نفسر معظم الفشل العربي على هذا الاساس وحتى الديكتاتورية وغياب الديمقراطية وانحسار الحرية, نستطيع ان نعزوها جميعا الى النزعة المذكورة, كما ان الظلم الاجتماعي وعدم المساواة بين الناس واضطهاد الاقليات وغياب المجتمع المدني وانعدام العدالة واستشراء الفساد, كلها مظاهر واعراض يختفي وراءها مرض حب الذات المفرط. ولكننا من جهة ثانية نستطيع القول بشكل عام, ان اي انسان على سطح هذا الكوكب الذي نحيا فيه, يحب نفسه ويعشق ذاته ويتهالك على مصالحه الخاصة. وفي هذا يقول سقراط (ان جميع البشر شغوفون بأنفسهم, بقدر او بآخر) واذا كان الحال كذلك, لماذا اذن تلصق هذه التهمة بالعرب اكثر من غيرهم؟ اغلب الظن ان النزعة الفردية عندنا غير مصقولة وتفتقر الى التشذيب وتظهر بصورتها البدائية بسبب عدم قدرة الانسان العربي على المواءمة بينها وبين المصلحة العامة بحيث ان الاولى تطغى على الثانية بصورة ملحوظة والى درجة تؤثر سلبا في الاوضاع العامة للامة. ومن جهة ثانية تسود في البلدان المتقدمة قوانين صريحة تستطيع كبح جماح النزعة الفردية ولجم اشتطاطها مما يجعل الفرد مضطرا الى مراعاة المصلحة العامة وغير قادر على فرض مصلحته الخاصة وتمريرها على حساب حقوق الجماعة, اما في الاقطار العربية فإن القوانين والانظمة تعاني من ثغرات ومن خلخلة في التطبيق, مما يتيح المجال لافراد القفز من فقوها واقتناص الغنائم غير المشروعة إرواء لذاتياتهم. واذا كنا هنا نتحدث على فردية الافراد, فإن المفكر الكويتي الدكتور سليمان العسكري, رئيس تحرير مجلة العربي, يتناول المسألة من منظار اوسع, ففي افتتاحية مجلة العربي المنشورة في عدد فبراير لعام 2000م, بعنوان (حتى ينتهي عصر الفردية العربية) ينتقل الكاتب من التصرفات الفردية للمواطن العربي بطريقة تخالف المصلحة الوطنية, الى سلوك بعض الدول العربية سلوكا فرديا يضر بالمصلحة القومية العربية الواسعة ويذهب صاحب الافتتاحية الى حد القول بأن هذه الفردية بالذات هي التي حولت الصراع بين العرب والاسرائيليين في العقد الماضي الى صراع بين العرب انفسهم, وهذا الطرح يدل على مدى خطورة النزعة العربية التي يفضل الدكتور العسكري ان يطلق عليها عبارة النزعة الفردية بدلا من النزعة الانانية كنوع من اللباقة الكتابية. واذا كانت الانظار موجهة دائما نحو نزعتنا المشئومة سواء اسميناها بالفردية او الذاتية اوالانانية لانها هي الغالبة لسوء الحظ فإني اريد هنا ان انتقل الى الاتجاه المعاكس, واتحدث على نزعتنا المثالية التي مازالت خارج دائرة الضوء, ولم تحظ إلا ضئيل من الدراسة, واعتقد ان الانتصارات الباهرة التي احرزها العرب في غابر زمانهم وسالف دهرهم, انما تعود الى هذه النزعة التي نستطيع ان نلمس آثارها المشرفة في انتفاضة الاقصى واحداث جنوب لبنان, حيث وجدنا اناسا كثيرين يفجرون انفسهم بالقنابل ويضحون بحياتهم واموالهم في سبيل ايقاع اكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو. ولاشك ان هناك آخرين يتجاوبون معهم ويباركون تضحياتهم ويتمنون ان يفعلوا الشيء نفسه, اذا اتيحت لهم الفرص, فما الذي يمكن ان يدفع انسانا الى الترحيب بالموت في سبيل الوطن سوى النزعة المثالية النبيلة؟ ويبدو لي ان هذه النزعة لسوء الحظ لا تظهر بوضوح عند الانسان العربي, إلا عندما يكون في حالة انفعال, فهو عندما ينفعل وتغلي مراجل غضبه وتثور ثائرته, ويتعاظم حماسه, يصبح مستعدا للتضحية بأي شيء وعمل كل ما يمكن عمله في سبيل امته ولكن ما ان تخبو عاطفته ويتلاشى انفعاله ويعود الى السكينة, حتى يصبح اقل ميلا للتضحية, وقد تعود نزعته الفردية الى تأكيد حضورها القوي, ومثل هذا الامر يمكن ملاحظته خلال حياتنا اليومية, وهنا تتجلى المشكلة وتكمن العقدة, فلو ان مثالية الانسان العربي تتواصل بصورة دائمة ومستمرة, سواء في حالة الهدوء النفسي او الغليان الانفعالي, فربما يتحقق للعرب مستقبل افضل وقد يحرزون انتصارات لم تكن في الحسبان. ولكن كيف يتسنى لنا ان نصل الى هذه النتيجة؟ الامر يتعلق بالمفكرين وعلماء النفس والمربين والاعلاميين ويعتمد على ادوارهم في توعية المواطنين العرب وتعريفهم بمواضع قوتهم وضعفهم, فمن واجب هؤلاء ان يعملوا على التأثير في شخصية الانسان العربي باتجاه ربط التضحية بالعقلانية وفك ارتباطها بالانفعالية, ويقع القسط الاكبر من المسئولية في هذا المجال على الاعلاميين العرب الذين يملكون امكانية التحرك بسرعة تفوق سرعة المربين الى حد بعيد, وذلك بهدف التأثير في الرأي العام العربي وحث الناس على ضرورة التضحية بالمصالح الخاصة من اجل المصلحة العامة. ولعلماء النفس, ايضا, دور بالغ الاهمية في هذا المجال, ولكن تأثيرهم, كما الحال بالنسبة للمربين, بعيد الامد جدا, ولا يمكن مقارنته بسرعة التأثير الذي يحدثه رجال الصحافة والاذاعة والتلفاز, ولكن علينا ان نلاحظ نقطة هامة, وهي ان كافة الجهود التي يمكن ان تبذل لا يمكن لها ان تحقق نجاحا كاملا, إلا اذا توافر عامل حاسم وهو الحرية التي يتعرض المرء في حالة غيابها الى كبت المشاعر والانزواء والاحساس بأن حقوقه مهضومة, مما يدفع به الى التقوقع حول ذاته والتمسك بفرديته, فيصم اذنيه الى حد ما عن مصلحة الآخرين, ولا يصغي إلا الى نداءات نزعته الانانية. ويقول المفكر السوري الدكتور حافظ الجمالي في كتابه (بين التخلف والحضارة) ان الخط البياني لتاريخنا يبين ان العرب يحققون انجازات كبيرة, عندما تتوافر لهم درجات اعلى من الحرية, ويتراجعون الى الوراء بقدر ما يحرمون من هذه الحرية. واعتقد انه محق في هذا الرأي, ولعل اكبر دليل على صحة ما ذهب اليه ان العرب خلال العقود الثلاثة الاخيرة تراجعوا قوميا بقدر تراجع الديمقراطية في ديارهم. اننا الآن ندق ابواب عام جديد.. وهذه مناسبة طيبة كي نراجع اوراقنا القديمة ونجري حسابا دقيقا مع النفس, ونتساءل عما قدمنا لانفسنا وللحضارة الانسانية في الاعوام السابقة. وأهم نتيجة نستطيع استخلاصها من مراجعة الذات ان التهالك على المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة, هو من اهم الآفات الفتاكة التي تنخر في اوصالنا وتلحق الوهن في جسدنا السياسي والاجتماعي وتهدد مستقبلنا بأسوأ العواقب, وحتى نتغلب على هذه العقبة, ونفسح المجال لانبثاق المثالية العربية الاصيلة والغيرية النبيلة, لابد لنا من فتح ابواب الحرية على مصراعيها.. فهي وحدها الكفيلة بانبثاق انسان عربي جديد يتحلى بالوعي ويدرك اهمية التضحية بالانانيات الضيقة في سبيل اعلاء مكانة الامة بأسرها. ومع ان جميع السياسيين والمثقفيين متفقون على هذا, فإن قافلة الحرية في الوطن العربي لا تتحرك إلا بسرعة السلحفاة والسبب واضح وهو ان هناك فئات تتعارض مصالحها مع ادخال الحرية الى بلاد العرب, وهنا نعود ادراجنا الى نقطة البداية اي الى النزعة الفردية المقيتة التي تشكل اساس البلاد وسبب العلة, واني اتساءل عما اذا كان بإمكان اجهزة الاعلام ان تخلق ظروفا عاطفية ومناخات حماسية تجعل الذين يضعون العصي في عجلات الحرية, في حالة انفعالية معينة يغيرون في خضمها انماط سلوكهم المعادية للحرية ويصبحون مستعدين لمنحها جواز السفر اللازم للدخول؟ وهذا امر يمكن تصوره نظريا وكتابيا ولكن.. هل يمكن تحقيقه عمليا, اذا تكاتف الاعلاميون وعلماء النفس وتعاونوا على محاولة تجسيده وتطبيقه على ارض الواقع العربي؟ لاشك ان هذه المهمة تستلزم توافر درجة عالية جدا من المهارة النفسية والاتقان الاعلامي وهي قد تبدو خيالية الى حد ما. واخيرا, هل استطيع القول بأن مستقبل الامة العربية يتوقف على مدى تحكم الفرد بنزعته الفردية, وبقدرته على اطلاق العنان لنزعته المثالية؟ * كاتب سوري