كثيرا ما اعود للتاريخ استطلع وثائقه واستنطق وقائعه من اجل فهم الحاضر فالماضي يحمل دائما لا مجرد تشخيص للحاضر بل احيانا علاجا لمشاكله وحلولا لمعضلاته. ولذلك تجدني بين مجموعات الصحف والمجلات القديمة، والكتب الغابرة استجلي خلالها لمعرفة كيف كان آباؤنا ينظرون الى قضايانا الحالية عندما واجهتهم وكيف استشرفوا مصيرها وهو حاضرنا وواقعنا اليوم. املا في ان اكتب بحثا او مقالا لا يخلوان من بصيرة يكون فيهما بصيص من نور الاعتبار. وفي مجال قضية فلسطين والصراع العربي الاسرائيلي عثرت على درر نادرة تؤكد ان الجيل الذي سبقنا تأمل في ملفاتها وعانى تداعياتها ووصف مجموعه علاجا لها لم يعمل به الجيل الذي جاء بعده بل وفي كثير من فرص التاريخ الضائعة عمل ضده وعكسه وتفاقم الخطب. على سبيل المثال صدر عدد خاص من مجلة الهلال المصرية في اول يوليو 1948 اي عام النكبة وكان رئيس تحريرها المرحوم الدكتور احمد زكي كان العدد خاصا بفلسطين وجاءت افتتاحية العدد بقلم رئيس التحرير وفيها نقرأ: (فلسطين عربية منذ ألفي سنة. ولم تكن قبل هذا التاريخ يهودية وان كان اليهود سكنوها مع العرب ثم اخرجهم الرومان حين غزوا هذه البلاد ثم تفرقوا في الارض واستقر كل فريق منهم في البلد الذي لجأ اليه ومن هذه البلاد بلاد عربية استوطنوها كمصر والعراق وسوريا ولبنان وشمال افريقيا فعوملوا معاملة اهلها في الحقوق والواجبات بينما عاملهم الاوروبيون معاملة مجحفة. وقد عاد بعض اليهود الى فلسطين وعاشوا زمنا مع اهلها العرب فعاملوهم معاملة كريمة ولكن الاغراض الاستعمارية والدعوة الصهيونية افسدت بينهم وبين العرب وجعلت المسألة الفلسطينية مأساة عجيبة في تاريخ الشرق..). هكذا يوجز د. احمد زكي عناصر المأساة ولم يكن الدعم الامريكي المنحاز غائبا عن تحليله منذ 52 عاما فكتب يقول: (من العناصر الاساسية في المسألة الفلسطينية ان هناك أمة هي اقوى الامم اليوم سلاحا اتخذت لها من مناصرة الصهيونية مبدأ يستوي في ذلك رئيسها الديمقراطي ومنافسوه الجمهوريون قال ترومان عام 1946: ادخلوا الى فلسطين مئة ألف يهودي فقال منافسه الجمهوري ديوي: ما هذا التقييد ادخلوهم بالملايين). نلاحظ ان الدعم الامريكي للصهيونية ليس وليد اليوم وقد انشغل به جيل النكبة وعرفوه ولم يهندس القادة العرب منذ نصف قرن اية استراتيجية لمواجهة ذلك الواقع الثابت القديم. ويتساءل د. احمد زكي قائلا: (احقا يركب اليهود امريكا مطية لهم الى اغراضهم الظاهرة ام ان امريكا هي التي تركب اليهود لاغراض خفية؟). وأبدى د. أحمد زكي كما ابدى كل كتاب هذا العدد الخاص من مجلة الهلال وعيا حادا بأصل القضية المعروف والمتجدد. اقرأوا معي بقية المقال, يقول د. أحمد زكي: ان منابع البترول الامريكية في تناقص والشرق الاوسط به من البترول الشيء الكثير. وامريكا لا تستطيع ان تحتل الشرق الاوسط بجندها واذن تحتله بجند لهم في اراضيها اواصر وأرحام. اولئك هم اليهود. فأمريكا بتمويلها وتموينها اليهود في فلسطين لا تحسب الا انها تمون وتمول جندا هم جندها وبمناصرة سياستهم لا تحسب الا انها تناصر سياسة هي سياستها. سياسة امريكية صرفة حميمة ما كانت يهوديتها الا عرضا. انها قراءة للأحداث في حرارتها وفداحتها, كتبها مثقف عربي واع. واستشعر الاخطار المقبلة وحذر ابناء جيله من تلك الاخطار. وكل ما نشرته مجلة الهلال في ذلك العدد يؤيد هذه القراءة. فقد كتب د. محمد عوض محمد بك مقالا في منزلة فلسطين كقلب للعالم العربي بدأه بقوله: (ليست فلسطين مجرد جزء من الوطن العربي بل هي قلب العالم العربي...) واتجه كاتب المقال لتعريف المجتمعات الاوروبية والامريكية الجاهلة بهذا الموضوع (حسب عبارة د. محمد عوض...) بحقيقة الصراع العربي الصهيوني وشرعية الحقوق العربية في فلسطين. ويؤكد هذا المقال الهام ان الاعلام الصهيوني عمل عمله منذ مؤتمر بازل عام 1897 لتزييف الحقائق لدى الرأي العام الغربي. وهي حرب دعائية ونفسية انتصر فيها الصهاينة قبل حروب السلاح. وسنواصل تحليل محتوى الخطاب العربي في عام النكبة في مقالات مقبلة.