شهد العالم العربي عدة أحداث بارزة خلال الشهر الأخير من القرن العشرين, على رأسها الانتفاضة الفلسطينية وانتخابات السودان وقمة مجلس التعاون الخليجي المنعقدة في البحرين. أما الانتفاضة، التي هبت كالإعصار حول القدس الشريف فهي أشرف انجاز عربي في السنوات الأخيرة, وهي العمل الوحيد الذي ترجم بأمانة حديث أشرف الخلق محمد بن عبدالله رسول الله (سيأتي يوم على أمتي يصبحون فيه كغثاء السيل, يتناوشها الأمم كما يتناوش الأكلة قصعتها, قيل.. أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال بل إنكم يومئذ لكثير, ولكن سيلقي الله في قلوبكم بالوهن, قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الآخرة) هنا يا سادة - يكمن سر الحياة, وليس هناك سر آخر.. فالحياة تخضع لمن لا يحرص عليها, والحياة توهب لمن يطلب الموت وهو قانون إلهي فسره المصري البسيط بالمثل القائل (مفيش حلاوة بدون نار) فمن يريد أكل الحلاوة لابد أن يحترق بالنار.. ولن تقوم دولة فلسطين الفتية إلا على تلال من جماجم الشهداء. ولم يتردد الشعب الفلسطيني في أي مرحلة في التضحية بأرواح أبنائه, فهنيئا للأم الفلسطينية التي وقفت أثناء المحنة صامدة صابرة لم تشق الجيوب ولم تلطم الخدود, وأثبتت أنها الأم المثالية في الوطن العربي وفي العالم الاسلامي. أما الانتخابات السودانية فقد جاءت صورة مكررة من الانتخابات العربية عموما. صحيح أنه لم يحدث خلال العملية الانتخابية تجاوزات خطيرة, ولكن في نفس الوقت لم يحدث انتخابات حقيقية بالمعنى الذي يعرفه العالم الديمقراطي كما في بريطانيا مثلا أو السويد. فالانتخابات السودانية لم يكن فيها إلا مرشح واحد هو الرئيس البشير. أما النميري فلم يكن أكثر من مرشح مساعد للرئيس البشير. لأن تجربة النميري السابقة في الحكم لا ترشحه للفوز في أي معركة انتخابية. بل إن عودته الى الخرطوم تثبت أن الشعب السوداني شعب طيب بدون أي شك, وتثبت أيضا أنه شعب متسامح أكثر من اللازم. والمضحك هنا أن النميري أدلى بتصريح قبل يوم الانتخابات بأنه عاد الى السودان ليمنع انهياره, مع أن أحدا لم يكن مسئولا عن انهيار السودان إلا النميري نفسه. فقد بدأ فترة حكمه حليفا للحزب الشيوعي السوداني, وانتهى في نهاية عهده في السلطة حليفا للتيار الديني, وهو في الفترتين لم يكن شيوعيا ولم يكن اسلاميا, ولكنه موقف انتهازي هدفه البقاء في السلطة. ولولا الفريق سوار الذهب جزاه الله كل خير لظل النميري على رأس السلطة في الخرطوم, وربما لم يتركها إلا بزوال السودان نفسه من على الخريطة.. ولكن الظاهرة الايجابية الوحيدة في الانتخابات السودانية هي كسرها للنسبة العربية في الأصوات التي يحصل عليها الرئيس وهي 999.99 في المائة. فقد اكتفى الرئيس البشير ب نسبة 888.80 في المائة, وهي نقلة غير بطالة لأنه ليس من الضروري حصول الرئيس أي رئيس على كل الأصوات لكي يحكم, بدليل أن رئيس أقوى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة, يحكم بزيادة عدة مئات من الأصوات عن أصوات المنافس, فحق المسئول أي مسئول في تولي السلطة لا تحتاج إلا الى نصف عدد الاصوات زائد صوت واحد, ولكن الأمر في منطقتنا يختلف, فمن العيب أن يحصل أي منافس على أي صوت حتى ولو كان صوت زوجته! ليس هذا فقط, بل إن العيب الحقيقي هو مجرد تفكير المنافس في ترشيح نفسه, إن مجرد التفكير هو العيب نفسه وهو موقف معاد لأخلاق القرية, أذكر أن أحد أثرياء الريف كان يشغل مقعد عضو الشيوخ في دائرته على مدى 30 عاما كاملة.. وفي الانتخابات الأخيرة التي سبقت ثورة 23 يوليو, تقدم أحد المواطنين لترشيح نفسه منافسا للشيخ المزمن, وقد ذهبت مع وفد قرية مجاورة لقرية الشيخ إياه, وكان الوفد يضم عدة عمد ومشايخ بلاد, وكان أول سؤال وجهه الشيخ للوفد الزائر.. انتم يخلصكم العملة السودة اللي عملها الواد ده؟ والحمد لله لأن صفحة العام الأخير من القرن العشرين قد انطوت, والحمد لله لأن القرن العشرين قد ذهب الى غير رجعة, قرن الحروب والمجازر والمآسي. ولا أقول وداعا للقرن العشرين, ولكن أقول.. في ألف سلامة ولا أعادك الله!