قبل ان توافق قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية على مجرد تسلم مقترحات الرئيس كلينتون الاخيرة كان عليها ان تطرح على نفسها سؤالين: أولا: ما هي المرجعية التي اعتمدها الرئيس الامريكي لنفسه واستند اليها كمعيار اساسي عندما اخذ ورقة وقلما لتسجيل مقترحاته ــ وهي من الناحية الرسمية يطلق عليها (مجموعة افكار)؟ ثانيا: هل عاد لدى الادارة الامريكية (تحت رئاسة كلينتون او غيره) اي مؤهلات من المصداقية لمواصلة دور (الوسيط النزيه) بين الفلسطينيين والاسرائيليين. اذا لم تطرح القيادة الفلسطينية على نفسها هذين السؤالين الاساسيين فإن ذهنيتها تكون قد تجمدت في مرحلة ما قبل الانتفاضة. ولكن ما هي (افكار) كلينتون التي عرضت على كل من الجانب الفلسطيني والجانب الاسرائيلي لتكون اساسا لاتفاق نهائي على قضايا مصيرية؟ (الافكار) يمكن ايجازها في نقاط سريعة كما يلي: الارض: قيام دولة فلسطينية على مساحة غزة بنسبة مئة في المئة ومساحة الضفة بنسبة 94 الى 96 في المئة. والمساحة المقتطعة من اراضي الضفة تضم الى الدولة الاسرائيلية بما عليها من مستوطنات يهودية على ان يتم تعويض الفلسطينيين بمساحة مماثلة من ارض الدولة الاسرائيلية. ثانيا: (وجود) اسرائيلي على الشريط الطولي الواقع بين الضفة والاردن لمدة ثلاث سنوات (قابلة للتعديل). القدس: ان تكون الاحياء العربية في القدس تابعة (لاشراف) الدولة الفلسطينية والاحياء اليهودية تابعة لاسرائيل. يكون للحرم الشريف سيادتان سيادة فلسطينية على ارض المسجد الاقصى. وبما ان اليهود يدعون ان (جبل المعبد) اليهودي المقدس يقع مباشرة تحت المسجد فإن (سطح) المعبد, وهو في الوقت نفسه (ارضية) المسجد, يكون تحت السيادة اليهودية! اللاجئون الفلسطينيون: يعودون, لا الى وطنهم الاصلي في اسرائيل, بل الى الدولة الفلسطينية المرتقبة.. عدا عدد رمزي يمكن ان يسمح لهم بالعودة الى اسرائيل على (اساس انساني) لم شمل عائلات. وبغض النظر عن هذه (الافكار) وتفاصيلها فإن السؤال الفوري الذي يطرأ من الوهلة الاولى هو: ما هو المعيار الاساسي الذي بنيت عليه هذه التخريجات؟ هل هو مباديء القانون الدولي؟ هل هو الهامات وحي ذاتي هبط على كلينتون؟ ان قضية الشعب الفلسطيني واضحة لدرجة البساطة: ارض قامت باحتلالها قوة اجنبية يجب ان تسترد كما هي بالكامل. هذا هو المبدأ المنطقي والطبيعي المسنود بمباديء القانون الدولي.. وهو المبدأ الذي على اساسه صيغت قرارات الامم المتحدة ذات الصلة بالقضية.. وهي قرارات واجبة التنفيذ. في ضوء هذا المبدأ استبعد الرئيس الامريكي نهائيا القرارات الدولية, وبالتالي استبعد اعتماد القانون الدولي. مثلا القانون الدولي يحرم ضم اراض احتلت بالقوة بواسطة جهة خارجية. لكن كلينتون يقترح ضم جزء من الضفة الغربية الى اسرائيل. والقدس الشرقية ايضا ارض محتلة لكن كلينتون يخضعها بأفكاره الى سيادة (علوية) وأخرى (سفلية). والمواطنون الذين يطردون من ارض وطنهم لهم وفقا للقانون الدولي, حق العودة اليها دون اي قيد او شرط. المرجعية التي يعتمدها كلينتون هي اذن مرجعية المصالح الاسرائيلية المسنودة بنفوذ الحركة الصهيونية الامريكية. ولا يمكن ان يتقدم طرف وسيط بأفكار تستند الى هذه المرجعية ويكون في الوقت نفسه وسيطا نزيها وحياديا. لقد أخطأت القيادة الفلسطينية بمجرد الموافقة على تسلم ورقة هذه الافكار فضلا عن دراستها.