من يتابع الحركة السياسية الماراثونية حيال القضية الفلسطينية والمحاولات الحثيثة التي تبذل على صعد مختلفة بقصد ارساء حل ينهي الصراع الاسرائيلي الفلسطيني الذي دام اكثر من نصف قرن, من يتابع هذا كله فلابد ان يتنبه الى ان شيئا اساسيا يتعلق بالقضية تنسج خيوطه حاليا, وربما يكون قد اخذ طريقه الى النضج في غضون الشهور القليلة الاخيرة, ولعل هذا ما تنم عنه الافكار الامريكية التي عرضتها واشنطن في الايام الماضية لتحريك الموقف فيما يمثل فرصة اللحظة الاخيرة قبل ان يحزم كلينتون حقائبه راحلا عن البيت الابيض ليفسح الطريق للادارة الجمهورية المقبلة. فهل القضية الفلسطينية الآن تقف على مفترق طرق؟ ام ان ما نراه ونسمعه هو نتيجة شغف سياسي: او مصالح سياسية سواء للرئيس الامريكي المغادر او لرئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يواجه انتخابات حاسمة بعد اقل من شهرين؟ ام هو نتيجة الضغط الشديد غير المسبوق على الفلسطينيين في الداخل؟ هذه كلها اسئلة يمكن للمراقب طرحها, لكن لا يمكنه القطع بإجابة عنها. وبالرغم من ان الموازنة بين ما يطلبه الفلسطينيون بعد هذا الصراع الطويل وما هو معروض عليهم في ظل الظروف الدولية الراهنة, يظهر الفارق الكبير ـاو الصغير) بين الآمال والاحلام من ناحية والممكن والمتاح من ناحية اخرى.. لكن مع ذلك ــ اصبح الحديث يدور الآن حول (فلسطين الدولة المستقلة, ومنها الضفة الغربية او معظمها مع غزة وجزء صغير من القدس) وهو الامر الذي يلوح معه الامل في حدوث تسوية تاريخية كاملة تستغرق كثيرا من سنوات القرن الواحد والعشرين, وتستتبع (سلاما) ظلت المنطقة تتطلع اليه تطلع المفتقد معظم سني القرن المنصرم. اذا حدث ما نتوقعه من تسوية, فإن الامر يعني ان الفلسطينيين سوف يستعيدون الاراضي الفلسطينية (او معظمها) التي احتلت في العام 1967, وهو الزمن الذي كان العرب يرفعون فيه شعار (تحرير الاراضي المغتصبة من النهر الى البحر) حيث اكتفوا بهذا الشعار الحماسي وغيره من منظومة الشعارات المدوية, التي لم تكن تستند الى فعل سياسي وعسكري اجرائي, كما كانت تفتقر الى اعداد تعبوي حقيقي (شأن الشعوب التي انتهجت النضال فعليا على مدار التاريخ) وقد فوت العرب على انفسهم ــ بخضوعهم لهذه الشعارات ــ كثيرا من الفرص السياسية التي كان يمكن ان تضمن لهم مكانة افضل في التفاوض وتنازلات اقل, ومكاسب اعلى. ولكنهم لم يرغبوا ــ وقتها ــ في الترجل عن حصان (الحماسة) وظلوا يتوهمون انهم ينتهجون الطريق (النضالي) ــ النضالي فحسب ــ لاسترداد حقوقهم, حتى انهم كانوا يتهمون من يدعو الى اخذ الممكن ثم المطالبة بالمزيد كلما سنحت الفرصة, كانوا يتهمونه بالخيانة والانهزامية.. وربما بالعمالة. ولعلنا نتذكر الآن مبادرة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة التي سعت الى شق طريق (سياسي) لحل القضية الفلسطينية, لكن الزمن العربي ــ وقتها ــ لم يكن مهيأ الا للطرق (النضالية)!. ونحن لا نعمد ــ الآن ــ الى تقليب المواجع او نكء الجراح, لكننا فقط نحاول تلمس العبر من دروس التاريخ, فالمزايدة السياسية هي احد الاسباب بل ربما كانت السبب الوحيد الذي اوصلنا الى ما نحن فيه اليوم: (حصاد شحيح بالرغم من التضحيات الجمة والجسيمة التي بذلها الجميع, كل بما جاد به, ويحسب ما اتاحت له ظروفه وشروطه. يجب ان ندقق في موازين القوى الحقيقية على الارض الآن, حتى لا يكون سيرنا في الطريق كمن يخبط في ظلام دامس. فلا موازين القوى ولا الظروف الدولية تتيح لنا الفرصة للنضال الذي توقعه جيل كامل من الفلسطينيين والعرب. فإسرائيل اولا لم تعد (عدوا) بالمعنى القانوني الدولي, بعد ان تحول الصراع بينها وبين بعض الدول العربية المهمة الى تسوية ومصالحة وتطبيع. وايضا لم يعد للفلسطينيين موقع على ارض قريبة ومفتوحة يمكنهم منها مواصلة نضالهم كما كان يحدث في السبعينيات برغم ما لاقوه ولاقاه غيرهم من جراء ذلك النشاط الذي كان اقرب لدائرة العشوائية منه الى دائرة التخطيط والحساب, بحسب التقديرات العملية واللوجستية الحديثة. اليوم المسرح مختلف, وهناك خوف من ان تكرر الاخطاء نفسها التي ارتكبت اكثر من مرة في هذه القضية التي شغلت ــ ولا تزال ــ كل العرب. لعل الموضوع المختلف الآن ان الفكرة التي اعتمدها الجيل الاول من المقاومين الفلسطينيين قد تغيرت ولو قليلا, وهي الاعتماد على الاخوة العرب كليا ولعلنا نذكر في هذا الخصوص انه في الوقت الذي اعلنت فيه الدولة الاسرائيلية قيامها في سنة 1948, لم يستطع الفلسطينيون ان يصنعوا صنيعهم ويعلنوا دولتهم ايضا, وذلك لسببين رئيسيين: الأول هو عدم وجود جبهة موحدة وقيادة منظمة, والثاني وربما الاكثر تأثيرا ــ هو الاعتماد على ان الجيوش العربية سوف تتقدم بعد ذلك في ظروف اخرى, ونعرف ما انتهى اليه هذا التدخل الآن, سواء على الساحة الفلسطينية او على الساحات العربية بعد ذلك, ولكن هذا ملف آخر يتطلب الدرس العميق. المهم ان الفلسطينيين امضوا وقتا طويلا للحصول على استقلال قضيتهم من ايدي الاشقاء, ولكنهم راوحوا في ضبابية غير واضحة في ادخال (الاشقاء) واخراجهم من القضية او ادخال بعض (الاشقاء) واخراج آخرين حسب المناورة السياسية والظرف التاريخي. الا انهم عندما اتيحت الفرصة لهم او لقيادتهم الشرعية التي اعترف بها العالم بعد الاشقاء قرروا ان يأخذوا المبادرة, فذهبوا الى مفاوضات مع الدولة الاسرائيلية, لم تكن متوقعة قبل سنوات قلائل, بل ان احدا لم يكن ليتصور مهما جنح به الخيال ــ ان يحدث هذا اللقاء التفاوضي في تلك السنوات. وقد نقل عن بيل كلينتون الرئيس الامريكي المغادر قوله ان افكاره الاخيرة المعروضة لوضع حل سلمي بين الفلسطينيين واسرائيل, سوف تذهب معه بعد خروجه من البيت الابيض في غضون اسابيع قليلة, وما رشح من هذه الافكار يؤيد الفكرة الفلسطينية المرجحة والتي مفادها ان هذه الافكار غير كافية او غير واضحة, ولكن متى اعتقد الفلسطينيون ان الافكار ــ اي الافكار ــ حول التقسيم او التقطيع او المناصفة او التخلي عن اراضيهم هي افكار كافية. انها لا تفي ــ بالطبع ــ بالحد الادنى الذي يأمل فيه الفلسطينيون وايضا العرب, ولكن في السياسة الدولية لا تتحقق مطالب اي شعب مهما كانت عادل بالرغبة او عدم الرغبة... بالكمال او النقصان بالحق او الباطل بل انها تتحقق ــ مع الاسف ــ بتوازن القوى... وترتبط بعدد الاوراق التي يمسك فيها كل طرف على مائدة التفاوض. وليس من المتوقع ان يعتد الميزان القوي العربي ــ الاسرائيلي في المنظور القريب او المتوسط. تلك حقيقة لا يغفلها عاقل. والمطروح الآن ضغط دولي وانساني ومصالح متعددة خارج اطار الشأن الفلسطيني, وهو ما يجعل البعض يسعى الى تسوية, لن تكون (تاريخية) ولكنها قد تقرب السلام للمنطقة من اجل التفرغ ربما لملفات اخرى قد تتحول من السكون والجمود الى الحركة في وقت قريب, وربما ايضا تحاشيا لمذابح قد يتعرض لها الفلسطينيون, او الاحتمال الاسوأ ان يعاد الاحتلال مرة اخرى في ظل حكومة اسرائيلية اكثر تعصبا ودموية من الحكومة الحالية. والمراهنة على ان ما يمكن ان يعرض ينبغي الا يكون اقل مما عرض سابقا هي مراهنة غير محسوبة, ولا تستند الى الواقع والتاريخ, فقد يقل سقف المعروض سياسيا في المستقبل عما هو عليه الآن كما قد يرتفع هذا المعروض تحت ظروف تجبر الآخر على ان يقدم تنازلات لأن الامر كله متعلق بالمكان الذي يحتله المفاوض في لعبة الارجوحة السياسية التي لا تكف عن الحركة في كل اتجاه. لكن يبقى السؤال عن اي ضغوط يمكن ان تمارس بعد الانتفاضة الاخيرة, انتفاضة الاقصى. فالمقاومون يحتاجون الى دعم وخطوط امداد واعلام دولي وحركة مساندة مستديمة في الجوار وفي العالم, وهي عناصر غير متوافرة الآن, وليس مضمونا ان تكون متوافرة في المستقبل بصورة افضل. ومن جهة اخرى فإن المراهنة على ادارة امريكية جديدة تقدم (افكارا) للتسوية, تكون اقرب الى الطموح الفلسطيني والعربي هي مراهنة ربما تكون قابلة للتوقع ولكنها بالدرجة نفسها ربما تكون مراهنة على شيء غير متوافر اصلا, لأن الامر يتعلق احيانا بحسابات داخلية معقدة في السياسة الامريكية ربما لا تتيح طرح هذه (الافكار) في الوقت المناسب والصحيح. وضع الفلسطينيين لا يحسدهم عليه احد, فربما قال المؤرخون في المستقبل عن القيادة الحالية انها ــ مثل سابقتها في 1948 ــ لم تستطع قراءة الوضع الدولي والعربي قراءة صحيحة, فقد ارادوا ان يعارضوا فكرة تقسيم فلسطين وهم محقون تاريخيا وأرادوا ان يستعيدوها بالقوة حسب النهج (النضالي) ولكنهم كما نعلم جميعا ــ ويا للأسف ــ خسروها (سياسيا).