يثير الموقف الأوروبى الكثير من علامات الاستفهام بشأن ردود أفعاله ازاء تطورات الصراع العربى الاسرائيلى, وفى الأغلب فإن هذا الموقف يتراوح بين الضعف والتردد, والقبول بالتهميش, مرورا بالاقتصار على التصريحات, ومحدودية التأثير عن عمد وصولا الى حد الاشتعال, أو الدفع بالامور إلى حافة الهاوية من جانب الكيان الصهيونى, بدعم أمريكى صريح, أو ضمنى, فى اطار دور أوروبى يوصف تهذبا بأنه مكمل لدور واشنطن, الا أنه فى جوهره يقترب الى (الذيلية). لاشك أن محاولة قراءة الموقف الأوروبى حيال القضايا العربية المصيرية وفى القلب منها الحقوق الفلسطينية المشروعة, التى تصر اسرائيل على الاستمرار فى اغتصابها وانتهاكها, وسط تصعيد ارهابها فى مواجهة الانتفاضة, واطلاق التهديدات لتشمل العديد من العواصم العربية, ان محاولة قراءة للأداء الأوروبى, سعيا للوصول الى تفسير للأمر على نحو يمكن أن يميط اللثام عما يحار فى فهمه العقل العربى, هى محاولة جديرة بتوفير أدوات التحليل لها, وسير أبعادها, لاسيما أن أوروبا دائمة الزعم بأنها معنية بتطورات عمليات السلام, وأنها تسعى للقيام بدور أكثر فاعلية, وتحديدا, بهدف الوصول بالمنطقة الى اجواء الاستقرار لكن المسافة الواقعة بين التصريحات المفعمة بالأمال التى تبدو حارة أحيانا والأفعال التى تجنح الى التخاذل والعجز والشكلية إلى حد بعيد تبدو شائعة, فإنها يجب أن تدفع العرب للتفكير جديا فى آليات لتفعيل المواقف الأوروبية, وتجاوز الاتجاه الذى ساد مؤخرا, عبر التعامل مع العرب من خلال تقسيمات خاصة ترتبط أساسا بخدمة المصالح الاوروبية, وبمالا يحقق حدا معقولا من المصالح العربية (كمثال: الاصرار على تقسيم المنطقة إلى: خليج, مغرب عربى, دول متوسطة.. الخ) ومن ثم محاولة النفاذ عبر الثغرات القائمة فى الجدار العربى, بل والعمل على زيادة اتساعها! النقطة المركزية ربما كانت النقطة المركزية التى يجب الانطلاق منها تتمثل فى غياب حقيقة أساسية عند التعامل مع أوروبا تتعلق بكونها, على عكس الولايات المتحدة, بل والقوى الكبرى الأخرى عموما, لا تمثل دولة ذات سيادة واحدة رغم ماتمثله اقتصاديا من حجم هائل من الثروات الطبيعية, والقدرات الانتاجية, ولا شك أن هذه المفارقة تلقى كثيرا من الظلال السلبية على قدرة أوروبا كمجموعة أو كتلة فى التحرك, سعيا لصهر المجموعة فى بوتقة سياسية قادرة على صياغة استراتيجية أوروبية سياسية/ دفاعية تحدد بوضوح الأولويات المشتركة, الأمر الذى يقود الى تضييق الفجوة بين قدرة أوروبا الاقتصادية, وفعاليتها السياسية, كلاعب على الساحة العالمية, وبما يتلاءم مع تحولات بنية العلاقات الدولية, بعد التحولات الكبرى التى شهدها العقد الأخير من القرن العشرين. من ثم فإن أى سعى باتجاه الدفع نحو صياغة توجهات استراتيجية تعكس الهوية والتطلعات الأوروبية, وبلورة دور مستقل للاتحاد الأوروبى على صعيد السياسة الخارجية والأمنية المشتركة, سوف يتطلب بداية أن تعيد أوروبا تعريف مصالحها الاستراتيجية, وأن تتصرف وفقا لها, وبالتالى أن تترجمها فى المواقف العملية التى تمارسها حيال ليس فقط القضايا العربية, ولكن أيضا فى نطاق أكثر اتساعا وشمولا, وبمايعنى فى المحصلة الأخيرة, ضرورة توفير قدرات ذاتية سياسيا ودفاعيا بدونها تبقى أوروبا مجرد شريك ثانوى للولايات المتحدة, لا يمكنه أن يخلق جدارة سياسية متساوية أو وجود متميز الى جانب الاستراتيجية الامريكية. وإذا كانت أوروبا قد ظلت طويلا تمارس دورها كقوة ثانوية, مدركة أنها لا تتوفر على الارادة, ولا الآليات التى تمكنها من فرض رؤيتها مع اعتماد بديل يتمثل فى سياسة توازنية تحيطها شكوك حتى على المستوى الاخلاقى تتيح لها (امساك العصامن المنتصف) للابقاء على الأبواب مفتوحة مع كافة الأطراف (العرب, اسرائيل, وحتى دول الجوار الجغرافى التى تتماس مصالحها أو تتقاطع مع تفاعلات الصراع العربى الاسرائيلى, فإن ذلك يمثل على رغم مركزيته وخطورته وجها واحدا للمسألة: تلك المرتبطة بطبيعة البناء الأوروبى وهيكلية, والتيارات التى تتجاذبه, والعوامل التى تتعلق بادراك أوروبا لمحيطها, والسقف الذى تتحرك تحته, داخل التحالف الغربى بقيادة واشنطن. لكن ثمة عوامل أخرى تنبع من أطراف الصراع العربى الاسرائيلى من ناحية, ومن تفاعلاته سواء على الساحة أو بدقة الساحات الأوروبية ومن ثم بالدور الذى يجب أن يؤخر حركتهم الضاغطة على أوروبا, للتوصل الى علاقة أكثر ايجابية, تعكس, أو تضع فى الاعتبار بدرجة أكبر , تأمين عوامل احترام اوروبا للمطالب العربية العادلة, مقابل تأمين مصالحها الهائلة مع العرب, إذا ماقورنت بحجم المصالح التى تتحكم بعلاقتها مع الكيان الصهيونى, إذ أن الاشكالية التى تحكم مثلث تلك العلاقة, تتمثل بالأساس فى أن العلاقات العربية/ الأوروبية على ضوء المتغيرات الجديدة تتأثر سلبا بحالة الضعف العربى, ومحاولة كل دولة عربية ايجاد حل منفرد لمشاكلها, بينما هناك دائما هدف محدد, ومطالب واضحة لاسرائيل, فى الوقت الذى ليس أمام أوروبا الوقت للتعاطى مع الخلافات العربية/ العربية, مفضلة فى أحيان كثيرة التعامل الواضح مع اسرائيل, وعلى صعيد أخر الالتفات للهموم الأوروبية الأخرى سواء داخل البيت شرقا وغربا ثم جمهوريات الكومنولث الجديدة, أو فى اعادة صياغة العلاقات داخل التحالف الغربى عموما وصولا الى نسج أطر أكثر متانة مع أمريكا اللاتينية, أن تلك الأمور تحتل أولوية أهم, ويمكن أن تجلب عائداً أكثر فائدة. موقف غير موحد! ومن المفيد فى هذا السياق الاشارة الى أن الاتحاد الاوروبى هو الأخر لا يتبنى فى الواقع موقفا موحدا ازاء قضايا الصراع العربى/ الاسرائيلى, وربما كانت التصريحات التى تنطلق من عدة عواصم أوروبية حول مشكلة بالذات تبدو متفاوتة, كما أن أى قراءة لمؤشرات التصويت داخل مجلس الأمن, أو الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الممارسات الاسرائيلية تعكس كذلك تباينات المواقف الاوروبية, واذا كان الاتحاد الأوروبى يسعى للقيام بدور يحرص قدر الامكان على تبنى موقف موحد فى حدوده الدنيا على الأقل ازاء التفاعلات الشرق أوسطية, فإن ذلك لا ينفى وجود اختلافات بين دول الاتحاد الأوروبى, تضع فى الاعتبار المصالح الوطنية من ناحية, أو درجة تثمين دولة معينة لطبيعة التنافس الجيوبولتيكى, والاقتصادى بين أوروبا والولايات المتحدة, من ناحية أخرى, ومن منظور يتعلق بسياسات مناطق النفوذ والتأثير على نطاق يتجاوز منطقة الشرق الأوسط. هكذا, فإن أى رهان عربى على دفع أوروبا باتجاه مواقف أكثر ايجابية, لاحداث درجة مناسبة من التوازن فى مواجهة الانحياز الأمريكى لا يمكن التعويل عليه (هذا الرهان), بمجرد الوعى بامتلاك أوروبا بعض وسائل ممارسة الضغط على طرفى الصراع, إذا أرادت ذلك, نظرا للعلاقات الاقتصادية القوية التى تربط بين اوروبا وكل من العرب واسرائيل, إذ أن مايحدث على الأرض, يختلف كثيرا, ويمكن التدليل على ذلك من خلال تقييم رؤية المبعوث الأوروبى الخاص لعملية السلام ميجل موراتينوس الذى يؤكد أنه (إذا تم بالفعل الوصول الى صيغة ملائمة للسلام فى الشرق الأوسط, فإن الولايات المتحدة سيكون عليها بالقطع أن تتدخل, وفى الواقع, فإن تدخلها لازم فى كل الأحوال, لحل الاجزاء الصعبة وانها هى الطرف الوحيد الذى بإمكانه الوصول الى حل لمثل تلك المشكلات, أما بالنسبة للاتحاد الاوروبى فنحن نعلم حدودنا جيدا)!! إن هذا التصريح يمثل الى حد بعيد خطا ثابتا فى الطرح الأوروبى, ويعيد دائما دور أوروبا الى المربع رقم واحد, وممايرتب على العرب ضرورة البحث عن آليات فعالة لتجسير الفجوة القائمة بين التحركات الأوروبية, والقدرات الفعلية للتأثير على مسار العملية السلمية, بما يتجاوز الاقتصاد على دور الممول الرئيسى دون ممارسة دور سياسى, فعال, الا عبر التصريحات التى تكرس عمليات تهميش الدور الاوروبى! ممايدعو حتى لاستياء قطاعات داخل الرأى العام الأوروبى ذاته,بل وبعض المسئولين الأوروبيين فى بروكسل (مقر المفوضية الأوروبية) الذى لا يروقهم تنامى العجز فى وضع تعريف قاطع للمصالح الأوروبية فى الشرق الأوسط, دون حساسية بالغة فى تقدير المصالح الأمريكية, وبمايمثل عقبة مستمرة عند صياغة سياسة أوروبية واضحة, وفاعلة تجاه العملية السلمية على وجه الخصوص والعلاقات العربية/ الأوروبية عموما. فى الوقت الذى تناهض فيه اسرائيل أى تصعيد للتدخل السياسى الاوروبى بصدد الصراع العربى الاسرائيلى, وتطورات العملية السلمية فإنها وعلى عكس المنطق الطبيعى للأمور استطاعت اسرائيل عقد سلسلة من الاتفاقات الاقتصادية المهمة والعملية الحساسة مع أوروبا لتنفى الأخيرة أى شبهة تحبر للعرب! وفى هذا الصدد أكد المبعوث الأوروبى موراتينوس مرارا أن مساندة عملية السلام ليس فقط مساندة لمصالح الأطراف العربية, بل أنها أيضا لمصلحة اسرائيل, فبفضل الاتحاد الأوروبى نجحت اسرائيل فيما سبق في اقامة علاقات طيبة مع بعض الدول العربية. وعمليا فإن تحركا وفق هذا النهج كان دائما أقرب الى رد الفعل للأحداث والقرارات التى يتخذها أخرون فى واشنطن أو تل أبيب, واحيانا فى العواصم العربية. الباب الموارب! وبينما يكتفى العرب غالبا بسياسة (الباب الموارب) مع أوروبا مهما كانت درجة خذلانها للمواقف العربية, فإن اسرائيل بالمقابل لا تكف عن توجيه خطابها المستمر للرأى العام الأوروبى, والضغط على الحكومات الاوروبية باستغلال عقدة الذنب الجماعية. وتصعيد نفوذ (اللوبى الصهيونى) فى بروكسل, وفى ستراسبورج (مقر البرلمان الأوروبى) بل ومخاطبة أوروبا من خلال أكثر منظور خاصة من كل دولة اوروبية, وليس فقط الاكتفاء بالعلاقة المتميزة القائمة مع الاتحاد الاوروبى (كمثال: اشتركت اسرائيل فعليا فى البرنامج الأوروبى العلمى الرابع الخاص بفتح باب الاستثمار والمشاركة فى مجال الاتصالات الفائقة), هذا بينما يغيب وجود (لوبى عربى) فاعل فى أوروبا عموما وفى بروكسل وستراسبورج بشكل خاص, والمدهش أن الغياب العربى عن متابعة فعاليات البرلمان الأوروبى يثير استغراب الأوساط الأوروبية ذاتها! التى تعلم أنه عند ابداء تعاطفها مع اسرائيل خلال مداولات البرلمان الاوروبى, نتيجة الهوة القائمة فى الخطاب العربى, وآليات التعامل مع أصحاب القرار, وهو مايعكس بدرجة واضحة معضلة الضعف فى التحرك العربى أمام الهيئات الأوروبية المعنية بصياغة سياسات الاتحاد. هكذا: فإن الجدل بشأن تثمين دقيق للموقف الأوروبى, فيما يتعلق بالانحياز لاسرائيل فى المحافل الدولية, والمواقف المتخاذلة والمترددة فى ازمات ومحطات العملية السلمية, لا يجب ان يغفل العوامل الخاصة بممارسات كل من العرب واسرائيل فى الاطار الديناميكى الهادف للتأثير على مساحة الدور الأوروبى وفاعليته, ولا يمكن أن يؤخذ على الخصم أو حتى الصديق انه يتحرك بطريقة تخدم مصالحه,بينما يفتقد العرب القدرة رغم امتلاك العديد من أدواتها على التأثير والضغط, والتعويل على الجانب الاخلاقى فقط باعتبار ادعاء أوروبا بممارسة سياسة متوازنة لا يعنى الا حيادا بين الجلاد والضحية, على حين تسعى الضحية لمساندة نفسها قبل طلب عون الآخرين! مبادرة برشلونة لقد كان اطلاق مبادرة برشلونة فى أواخر عام 95 فرصة مواتية لم يستثمرها العرب بالدرجة المناسبة, فقد كانت برشلونة كمبادرة ثلاثية الأبعاد (سياسية أمنية/ اقتصادية مالية/ ثقافية اجتماعية) يجب التعاطى مع أبعادها الثلاثة. كمنظومة متكاملة, وأن يكون واضحا لأوروبا أن توقف التعاون فى أحد أبعاده لابد أن يقود حتما لوقف عملية الشراكة بكاملها, أو على الأقل عرقلة التقدم بصورة مرضية بالنسبة للبعدين الآخرين, وكان باستطاعة العرب وضع الأمر أمام مسيرة الشراكة الأوروبية/ المتوسطية من منظور برشلونة على النحو التالى: ان استمرار تعثر العملية السلمية على المسارات المختلفة, فى ظل تعنت اسرائيل, وانحياز الولايات المتحدة, يجب أن يدفع أوروبا الى التدخل الايجابى ادراكا لعلاقات واضحة بين مؤتمر مدريد ,91 الذى انطلقت على أساسه العملية السلمية, ومبادرة برشلونة, خاصة فى بعدها السياسى الأمنى, وان الفصل بين مسارات العملية السلمية بمساراتها المختلفة, والشراكة الاوروبية/ المتوسطية قد فات أوانه, إذ أن تقدم تلك الشراكة حتى بالنسبة للبعدين الاقتصادى والثقافى بات مرهونا باحراز تقدم على الصعيد الأمنى, بما يضمن التوصل الى سلام حقيقى يدفع بالشراكة الى آفاقها المأمولة فى ظل استقرار الأوضاع على أسس عادلة, غير أن العرب لم يستطيعوا احراز الدرجة المناسبة من الربط بين نجاح عملية الشراكة الأوروبية/ المتوسطية وتقدم العملية السلمية فى الشرق الأوسط, والاصرار على أن التقدم على المحور الاقتصادى فقط لا يمكن أن يتم على النحو الذى تتصوره أوروبا, دون الوضع فى الاعتبار المطالب السياسية العربية المشروعة بدعوى الحياد مرة, أو أن التقدم على صعيد حل المشاكل الاقتصادية مرة ثانية كفيل بتجاوز بعض العقبات السياسية, والا فإن الأمر يعنى فى حقيقته نوعا من المقايضة المرفوضة! وقد أثبتت نتائج مؤتمر مرسيليا للشراكة الاوروبية/ المتوسطية فى نوفمبر الماضى ثبات الخط الأوروبى, فقد تم تخفيف صيغة البيان الصادر عن المؤتمر فيما يتعلق بالاوضاع فى الاراضى الفلسطينية المحتلة لارضاء اسرائيل, وبمالا يعكس وجهة النظر العربية! ولم تحاول أوروبا لعب دور أكثر حزما وايجابيا استجابة للمساعى العربية, وكل النجاح الذى تم تسجيله هو أن أوروبا أصبحت ولله الحمد أكثر تفهما لوجهة النظر العربية!! وحتى ادراج فقرة فى البيان الختامى حول رفع الحصار عن الاراضى الفلسطينية فقد تم بصعوبة, وكان اقتراح رئاسة الاتحاد الاوروبى (فرنسا) أن تنسب الفقرة للفلسطينيين! وإذا كان الموقف الأوروبى على هذا النحو, فإن على الجانب العربى لم يكن ثمة اتفاق على موقف موحد حول المشاركة فى مؤتمر مرسيليا من الأساس! وغابت سوريا ولبنان فى محاولة لتوجيه (رسالة غضب) بينما فضلت أطراف عربية أخرى التعبير عن الغضب بدرجات متفاوتة أمام المؤتمر! وفى مواجهة مطلب المجموعة العربية داخل الاجتماعات بتحمل أوروبا لمسئوليتها تجاه مايحدث فى فلسطين, وتطبيق الشرعية الدولية, فإن رئاسة الاتحاد الاوروبى اكتفت, أو رأت انه يكفى تأمين (حوار مفيد) بين وجهتى النظر الفلسطينية والاسرائيلية, لأنه على حد قول وزير الخارجية الفرنسى فيدرين (مهما بلغت الآلام والغضب والانفعالات ومشاعر الاحباط, فإن فكرة الحوار تبقى بناءة)! بمعنى آخر, ظل الاصرار على الحياد السلبى بين الجلاد والضحية خطا ثابتا للاتحاد الاوروبى, والغت فرنسا (رئيسة الدورة) خطط استكمال ميثاق السلام فى حوض البحر المتوسط (لأن الظروف لا تسمح بالخوض فى خطة بهذا الطموح بينما انهار الدم يغطى الاراضى الفلسطينية المحتلة! وكان أقصى مااستطاعت أوروبا أن تأمله على لسان موراتينوس هو الاعلان عن رغبة الاتحاد الاوروبى فى اعادة المشاورات التفاوضية لمواجهة الوضع المتفجر فى الشرق الاوسط مع رفض لغة التهديد, والتشديد على أهمية الاستمرار فى الاتصالات).. حتى وان كانت (طحنا بلا عجين)! ملاحظة صغيرة: تصريح موراتينوس صدر بعد نحو أسبوعين من مؤتمر مرسيليا مع دخول الانتفاضة شهرها الثالث! هكذا, فإن الموقف الاوروبى المتخاذل والمنحاز عمليا رغم ادعائه الحيادية والتوازن يجب أن يصبح أحد الدوافع الملحة لبناء استراتيجية عربية تهدف الى الضغط الحقيقى على الاتحاد الاوروبى ومؤسساته, والرأى العام الأوروبى, لاتخاذ مواقف أكثر فعالية وعدالة, أخذا فى الاعتبار المصالح الأوروبية المتعددة فى المنطقة العربية, من خلال اعتماد عدة مبادئ أساسية فى مقدمتها السعى لوضع سياسة عربية مشتركة, تحدد الخطوط الرئيسية للعلاقات العربية/ الأوروبية وايجاد رؤية متوازنة على صعيد العلاقات العربية مع القوى الكبرى بما فيها أوروبا بالتوازن مع اعادة بناء القدرات العربية لمواجهة التحديات التى تفرضها المتغيرات الدولية, ولا تضع فى الاعتبار المصالح العربية, وربما كان السعى لبناء (لوبى عربى) فى أوروبا أحد المهام التى يجب أن تطرحها مثل هذه الاستراتيجية, التى يعد بناؤها عملية تراكمية معقدة, لكنها حتمية, وغير قابلة للتأجيل, لأن عدم البدء لا يعنى الا مزيدا من الخسائر العربية, بينما الوضع القائم يحقق الكثير من المطامح الأوروبية على حساب العرب وبمالا يطرح من الرصيد الاسرائيلى ان لم يضف اليه! وربما كانت ثنائية (التعاون/ الصراع) القائمة عبر ضفتى الأطلسى بين الولايات المتحدة وأوروبا, أحد المفاتيح الأساسية للولوج عبر أبواب مستقبل أفضل للعلاقات العربية ــ الأوروبية عبر ضفتى المتوسط عوضا عن الصيغة البالية القائمة! * كاتب مصري