جاءنا صوتها عبر اذاعة لندن.. عفيا.. متين البنية.. موفور القوة.. غنى العرب.. فصيح النبرات.. ينداح عبر اجواء الأثير يشق طريقه الى الأسماع في رفق وحيوية وشباب حاملا معه أشواق العراق واشجان العراق وتفانين العراق. هي الفنانة (فريدة) قارئة المقام العراقي التي أجروا معها مقابلة في القسم العربي من الاذاعة البريطانية وكانت في جولة فنية تجوب فيها أقطارا شتى.. ومهاجر عربية عديدة وتجول فيها نبراتها الواثقة الجميلة العفية افئدة العرب المتذوقين الذين لا تزال أسماعهم وأذواقهم ونحن منهم فيما نرجو نقية وبريئة من أوشاب العجمة ومدخول الفرنجة والخلط الصخب المنسوب الى الديسكو وبين فن الغناء الجميل الفصيح الذي تأنس اليه الأذن العربية ومازال له معجبون ومستمعون. وقد نزيد مصطلح العرب قدران تفسير وقد أوردناه في مستهل هذه السطور (بالعين المضمومة والراء المفتوحة) وهو, كما قد نفهمه, تموجات الصوت وقدرة احبال الحنجرة على تلوين المنتج السمعي الخارج منها عبر انحناءات ودروب وانثناءات شتى مما يزيد الصوت جمالا وكأنما أضفى عليه الفنان ألوانا من الزركشة والزخرفة التي يكتسبها المطرب من طول الدربة ودقة المران.. وهما بدورهما خصلتان لا تصلحان لأهل الغناء الجميل الا بطول المراس مع تراث العربية في دنيا الموشحات والمرددات والقصائد الكلاسيكية والأدوار.. ودع عنك أن يبدأ المراس من عالم تجويد وترتيل كتاب الله الكريم بكل مايحفل به هذا العالم من قواعد الفن والمد والوصل والاضغام ودقة النبر والمهارة المكتسبة بعد نضال طويل في تنظيم التنفس وفرز الحروف والمفاعلة أو المزاوجة بين ثالوث اللفظ المنطوق والمعنى المفهوم والاداء المضبوط.. هذا هو الفن العالي والاداء الرفيع الذي لا تصلح اداته ولا تكتمل عدته الا لكبار الفنانين الذين يأخذون أنفسهم ببهاء الاستعداد ومشقة التدريب الى أن تصلح لهم أدواتهم قبل أن يطلعوا على الناس.. وأبلغ الأمثلة التي تحضرنا في هذا السياق محمد عبدالوهاب وأم كلثوم والسيدة فريدة قارئة المقام العراقي التي اشرنا اليها في مستهل هذا الحديث وسعدنا يومها أن سمعنا منها بناء على طلب مذيعة لندن مقتطفات من مقام السيكا الذي يمس وتر القلب الشرقي ومقام الصبا (بفتح الصاد) المفعم بالشجن وكأنه يجسد عذابات النفس العربية ومعاناة أهل الشرق (الأورينت) على مر التاريخ. قلنا انه مفعم بالشجن وهو بخلاف الحزن.. الأول يمس الشغاف ويرسل الى الفؤاد أحاسيس فيها مزيج من الاشفاق والتأمل والحنان.. أما الحزن أو الهم أو الغم فتلك أمور أقرب الى الأزمة والكرب وقانا الله وإياك من كلتا الآفتين. وقد نزيد فنقول أن مقام الصبا كان المحبب الى الموسيقار زكريا أحمد عمدة الكلاسيكيين في الزمن المعاصر.. وأشهر أعمال العم زكريا من مقام الصبا هو أغنية (هو صحيح الهوى غلاب) آخر ألحانه التي شدت بها أم كلثوم منذ 40 عاما بالضبط ومازالت كما لعلك تعرف ملأ الأسماع والأفئدة حتى كتابة هذه السطور. وقد نزيد قليلا حين نقول أن أشهر الأعمال الكلاسيكية في مضمار التراث الموسيقى العربي هو الدور الشهير الذي وضع بناءه اللحني الموسيقار القديم محمد عثمان (رحل عن الدنيا عام 1900 للميلاد) بعنوانه الشهير في عامة المصريين (قد ماحبك زعلان منك) وميزة هذا الدور أنك تسعد به موقعا على أوتار أكثر من حنجرة.. حيث يمتعك فيما نرجو الائتلاف بين أصوات وأحاسيس الفنانين المقتدرين الذين ادوا هذا الدور الجميل من حيث الاجتهاد والتلوين والشخصية الفنية التي تطبع العمل بطابع المؤدي ناهيك عن اداء مجموعة المنشدين لهذا الدور في فرقة الموسيقى العربية في أوبرا القاهرة حيث تصغى لا تكاد تتحرك وحيث يتحول المرء الى مجرد اذن مرهفة تسمع وتستمتع.. وقد عقدت أفراد جوقة الانشاد فيما بينهم ميثاقا فنيا تعاهدوا فيه على أن تتشابك مشاعرهم وخبراتهم وثقافاتهم وأوتار حناجرهم فاذا بقاعة المسرح الكبير في دار الاوبرا المطلة على النيل وقد صدحت بعبير الفن الراقي وتغشاها في كل زواياها طائف الشجن العذب الجميل.. تحس أن نفس المرء وكأنها تغتسل من الداخل.. وتخرج الى حديقة الأوبرا.. وقد راودك شعور بالامتنان لهؤلاء الفنانين الذين جعلوا حياتنا أجمل وانبل وأليق بابداع الإنسان تلك مشاعر وذكريات. استدعتها اللحظة التي جاءت فيها علينا السيدة (فريدة) التي يعدونها كما ذكر لنا أصدقاء عارفون من العراق الشقيق ــ فك الله أسره ورد الى أمته غربته وخفف عن شعبه الطيب قسوة الشظف وطول المعاناة ــ قالوا ظهور الفنانة فريدة هو تطور مستجد على فن المقام العراقي الذي كان أو كاد يكون مقصورا على الفنانين الرجال. وقد اتيح لنا شخصيا أن نسعد بسماع أحد أعمدة هذا الفن الذي يختص به العراق وهو الفنان يوسف عمر الذي لا يزال صوته ماثلا وناصع النبرات في ركن من ذاكرتنا.. يعود بنا الى أيام كنا نسمعه ــ مرة على الأقل في الأسبوع ــ في (خان مرجان) النزل الأثري الذي اكتشفه مفكر القومية العربية الراحل الأستاذ ساطع الحصري أيام كان مسئولا عن الآثار العربية خلال مراحل بناء دولة العراق الحديث في عشرينيات القرن العشرين وقد تحول من بعده وبفضله الى مزار وناد ومقهى ومطعم يؤمه عشاق المقام العراقي وكنا في زمرتهم خلال السنوات الثلاث التي أمضيناها في بغداد العزيزة عند منتصف الثمانينيات. وبمناسبة المواءمة بين الكلمة والمعنى, بين اللفظ والمفهوم نؤكد من جديد أن تلك هي الميزة الكبرى التي تتفرد بها الموهبة الفالقة عند أهل الاداء مابين مقرئي القرآن الى أهل صناعة الغناء الجميل يحضرنا في هذا السياق بعض ماحفلت به مأثورات الأدب والتاريخ العربي عن قوم من المؤمنين بيقين الذين كانوا لا يقرأون القرآن بل كانوا يعيشون آي القرآن إذا مر أحدهم في تلاوته بذكر الجنة بكى شوقا الى نعيمها.. واذا مر في القراءة بذكر النار فاضت عينيه بالدمع اشفاقا من هول العذاب في جحيم السعير.. هكذا كانت تلاوة الشيخ محمد رفعت عليه رحمة الله الذي كان يسكن في حي السيدة زينب الذي نشأنا فيه وقضينا فيه كل مراحل الطفولة والصبا ومطلع الشباب.. مازالت الذاكرة تعي لافتة نحاسية كان قد علاها غبار الزمن في شارع البغالة كنت أحاول أن أفك طلاسمها وكم كان يسعدني أن اقرأ عليها عبارة الشيخ محمد رفعت.. المقرئ وبالمناسبة كان الشارع المجاور بالتوازي يسكن فيه عبقري آخر هو بيرم التونسي وبالمناسبة ايضا فكلا الشارعين المتواضعين في المنطقة الشعبية مازالا يحملان اسم بيرم ومحمد رفعت. حين التلاوة كان الشيخ رفعت يضع قلبه في معاني الآيات وكانت روحه مقترنة بحروف الكلمات.. كأنه يرفع أمام بصيرته ــ وهو الكفيف ــ في كل وقت هذا السؤال القرآنى: أفلا يتدبرون القرآن؟ كان صوته كما يقول أستاذنا كمال النجمي ــ رحمه الله ــ خاشعا دامعا حزينا يستدر دموع السامعين ويستحضر خشوعهم. من ناحية أخرى وعلى مستوى الأعمال اللحنية.. كانت ألحان الكبار عبدالوهاب.. زكريا.. السنباطى.. وبالذات السنباطي في ألحانه الكلثومية الدينية أو الروحية تستحضر في محراب الفن وبوسيلة الفن.. مشاعر الخشوع.. أسمع مثلا نهج البردة.. أو حديث الروح أو همزية ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وسناء وتأمل عند أواخر هذا العمل الجليل.. ضراعة الناي ليمهد للبيت الشهير وربما حدثتك عنه من قبل.. حيث يتحول اللحن الى دعاء ويتحول الغناء الى ابتهال حين تنشد أم كلثوم من شعر شوقي: ما جئت بابك مادحا.. بل داعيا ومن المديح تضرع ودعاء.