يتحدث السياسيون في سوريا كما في تركيا عن فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين بعد عقود من السلبية, وينطلق هؤلاء في تصورهم من عوامل ومتغيرات ومعطيات بدأت تساهم تدريجيا في رسم ، استراتيجيات تتضمن اعادة ترتيب العلاقات السورية - التركية على اسس جديدة, انطلاقا من قاعدة البحث عن حلول بناءة للمشكلات الخلافية واهمية ايجاد خيارات مشتركة للتعاون في ضوء التغيرات الجارية والمعادلات الهادفة الى تحديد المعالم الاقليمية لمنطقة الشرق الاوسط, وعليه يعكف البلدان في المرحلة الحالية على اعداد مسودة باعلان مبادىء مشترك يحكم العلاقات الثنائية بين البلدين في المجالات المختلفة, وفي سياق الخطوات الايجابية التي تشهدها العلاقات السورية - التركية مؤخرا اعلن في دمشق عن تشكيل لجنة برلمانية للصداقة بين سوريا وتركيا بالتزامن مع الاعلان في انقرة عن تشكيل مجلس اعمال تركي - سوري مشترك في الوقت الذي يقوم فيه وفد اعلامي ضخم من المؤسسات الاعلامية السورية بزيارة اطلاعية الى تركيا حيث يجري الوفد لقاءات مع كبار المسئولين في الدولة بدءا من رئيس الجمهورية احمد نجدت سيزار ورئيس الوزراء بولند اجاويد وانتهاء بقادة الاحزاب التركية الممثلة في البرلمان وذلك في اطار خطوات تعزيز الثقة وتقارب وجهات النظر وفتح آفاق ايجابية متبادلة للعلاقات بين البلدين. وفي الواقع, مثل هذا التطور الايجابي في العلاقات لم يكن بالامكان لولا مجموعة من العوامل والمقدمات التي حدثت في هذه العلاقات ومهدت الارضية لامكانية بناء علاقات ايجابية تتوافق حسن الجوار واقامة المصالح المشتركة, ومن هذه المقدمات والعوامل: * اتفاق اضنة الذي تم التوصل اليه في اعقاب ازمة صيف عام 1998, وكان الاتفاق بمثابة طي لملف حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله اوجلان وفي الوقت نفسه جاء بمثابة الاتفاق على شكل اعلان مبادىء لبناء علاقات جديدة. * الرغبة المتبادلة في ايجاد مصالح مشتركة, واقتضت هذه الرغبة زيارات متبادلة بين وفود عالية المستوى اسفرت عن استئناف عمل اللجان والهيئات المشتركة بعد توقف دام 12 عاما, وقد ادى استئناف عمل هذه اللجان الى بلورة خيار التعاون الاقتصادي بين البلدين في وقت بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 700 مليون دولار سنويا وبحسب اتفاقات وقعتها اللجنة المشتركة في دمشق في مايو الماضي من المقرر ان يصل هذا الحجم الى نحو مليار دولار سنويا. * توفر الارادة السياسية والرغبة المشتركة لفتح صفحة جديدة بين البلدين وفي هذا السياق شكلت الزيارة التي قام بها النائب الاول للرئيس السوري عبدالحليم خدام الى تركيا مؤخرا محطة مهمة في دفع العلاقات بين البلدين على المستويات حيث تتجه الانظار الى القمة المرتقبة بين الرئيسين بشار الاسد واحمد نجدت سيزار. وفي الواقع ان قراءة دقيقة لمسار تحسن العلاقات السورية - التركية ولحرصهما على الحفاظ على خط التوازنات الاقليمية تكشف عن معادة تركية - سورية يمكن ارجاعها الى مجموعة من العوامل اهمها: * التغيرات الداخلية التي يشهدها البلدان ومراجعة كل بلد لسياسته واجراء اصلاحات سياسية واقتصادية وقانونية واسعة بحثا عن التحديث والتنمية والنمو, ومع هذا التوجه بدأ كل طرف يكتشف اهمية الآخر, لاسباب اقتصادية وامنية, حيث تشكل سوريا جسرا تجاريا لتركيا للوصول الى الاسواق العربية, كما ان انتهاج كل بلد في السابق سياسة امنية مغايرة لم يعد بمثابة جدار يحول دون حل المشكلات الخلافية والبحث عن الخيارات المشتركة في ظل المتغيرات الدولية والاقليمية, وعليه فإن البلدين يعتقدان الآن ان الازمات السابقة التي وقعت وكادت ان تشعل حربا بينهما لم تكن تحصل لولا عدم معرفة كل طرف بالاخر بسبب القطيعة السياسية وان هذه القطيعة نفسها شكلت مدخلا لدخول اسرائيل على خط الاحداث والعلاقات, وقد هدفت منها في البداية الى اختراق الحصار الغربي لها ومن ثم الضغط على سوريا امنيا وسياسيا بغية اجبارها على تسوية قسرية. * تنبه البلدين بشكل متزامن الى المحاولات الاسرائيلية والامريكية الهادفة الى تأطير العلاقات التركية - السورية في اطر محددة تتعلق بالملفات العالقة بين البلدين, وعلى هذا الاساس عملت الولايات المتحدة واسرائيل على منع اي تقارب تركي - سوري ما لم يكن هذا التقارب مرتبطا بمسار عملية المفاوضات على المسار السوري, ويمكن القول ان المعادلة السورية - التركية الجديدة تكشف عن رغبة مشتركة في قطع الطريق امام المحاولات الخارجية للتحكم بملف العلاقات بين البلدين وصياغة هذه العلاقات من جديد في ضوء المصلحة المشتركة. * بعد قبول تركيا في قائمة الدول المرشحة للعضوية الاوروبية تعتقد تركيا انها اضحت في ظل خيار سياسي اوروبي يتيح لها الاستقلالية عن البعد الاسرائيلي في سياساتها حيال الدول العربية والاسلامية وانطلاقا من هذا الاعتقاد يقول المسئولون الاتراك انهم قرروا اعادة الاعتبار للروابط الاقتصادية والتاريخية والجغرافية مع العالم العربي والاسلامي بعد ان اهملتها الحكومات التركية المتعاقبة لعقود متتالية, وهذا ما يفهم من تأكيدات انقرة بخصوص اقامة علاقة متوازنة مع كل من العرب واسرائيل والتوجه نحو تحسين العلاقات مع العراق, في المقابل فإن سوريا منذ البداية ترغب في رؤية علاقات جيدة مع تركيا تتناسب وحسن الجوار والمصالح المشتركة عبر ايجاد حلول واقعية للمشكلات الخلافية كالمياه والحدود والامن بعيدا عن تحول تركيا الى طرف في صراعها مع اسرائيل سلما او حربا او لا حربا. ان التعاون والتقارب السوري - التركي قطع شوطا كبيرا واصبح خيارا مشتركا انطلاقا من اهمية كل طرف للآخر في تحقيق مصالح مشتركة والتوجه نحو التنمية والنمو, ومسيرة التحسن الايجابي في هذه العلاقات تشير الى ان صفحة جديدة في العلاقات السورية - التركية قد تظهر معالمها بشكل كامل مع اول لقاء قمة بين البلدين قريبا. * كاتب سوري