عندما كان نتانياهو رئيسا للحكومة الاسرائيلية, كان يتصرف بغطرسة شديدة تجاه عملية السلام.. لم يكن يبالي بالقرارات الدولية, ولم يعط اي اهتمام يذكر بالمفاوضات مع الفلسطينيين.. وكان يتهرب من اي التزام يلتزم به.. وكل خطواته تجاه السلام كانت تنطلق من موقع القوة.. اما الشعب الفلسطيني فليس له اي حقوق او مطالب.. وظل نتانياهو يمارس سياسة العنف والرفض وعدم المبالاة بالمفاوضات مما دفع بالحكومة الاسرائيلية الى اوضاع متأزمة.. واستمرت سياسته هذه التي جعلت العرب يشعرون بالمرارة والضيق من تصرفاته المتغطرسة. وعندما رحل نتانياهو وجاء باراك الى الحكم, استبشر العرب خيرا بمقدمه, وتصوروا انه سيكون افضل وأروع من سلفه نتانياهو وطرحوا في باراك ثقتهم.. ووضعوا آمالهم عليه, ودعوا له بالصحة والعمر المديد. .. ولكن باراك خيب ظنهم, وخسف بآمالهم, بمجرد ان استلم الحكم.. وجاء بسياسة هي اكثر غطرسة واكثر عنفا من سياسة نتانياهو الذي ادخل المرارة في قلوبنا.. ووقف باراك تجاه عملية السلام موقفا متشددا ضاربا بكل الاتفاقات التي تمت مع الفلسطينيين عرض الحائط ولم يكتف بذلك بل استخدم السلاح مع الفلسطينيين العزل, ورفع شعاره الذي طبقه عمليا في مواجهة الانتفاضة.. (المزيد من قتل الشعب الفلسطيني)! .. والآن رحل باراك استعدادا للعودة من جديد والعرب مازالوا يراهنون على شخص آخر يأتي رئيسا للحكومة, وربما جاء نتانياهو مرة اخرى ليطرحوا فيه الآمال ويظنوا به خيرا مع دعوات له بالصحة وطول العمر.! .. ومن الجهة الاخرى نرى العرب اليوم يبدون ارتياحا شديدا لقدوم جورج بوش الابن رئيسا للولايات المتحدة.. معتبرين ان كلينتون الذي رحل بدون عودة كانت سياسته كيل الامور بميزانين.. وكان منحازا لاسرائيل واستخدم الضغط والتهديد ضد الفلسطينيين حتى يتنازلوا عن مسائل مهمة كالقدس وعودة اللاجئين, والعرب اليوم, يضعون كل آمالهم بيد السيد الجديد الداخل الى البيت الابيض.. وتقرأ في بعض التقارير والتحليلات السياسية العربية ان بوش الابن سيكون متعاطفا مع قضايا الامة العربية والامة الاسلامية وانه اكثر تعاطفا مع القضية الفلسطينية ويمتد الشعور بالارتياح من مقدم بوش الى ان الولايات المتحدة في عهده ربما تحارب الى جانب العرب ضد الاسرائيليين.. ولا ادري ان شطح احد الاخوان العرب وصرح بأن بوش سيضطر الى رمي اسرائيل في البحر! .. وهكذا نرى ان الظروف والاحداث السياسية من حولنا تتغير وتتبدل.. ومازال العقل العربي (محلك سر) لم ينضج ولم يتفاعل مع الظروف والتطورات, ولم يتفاعل, ولم يتعظ من الدروس التي يتلقاها في كل ساعة وكل يوم! .. العقل العربي مازال يعتقد ان طبيعة السياسة في اسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا هي من نسيج شخص او اشخاص معينين, مازال في قناعة العقل العربي, ان سياسة العالم الخارجي تتغير بتغير الاشخاص, فاذا ذهب نتانياهو الذي اصابنا بالمرارة.. فمعنى ذلك ان القادم الآخر سيكون افضل منه واذا ذهب كلينتون فإن بوش سيكون قريبا الى قلوبنا ومشاعرنا وهكذا؟ .. ان الغرب والولايات المتحدة واسرائيل يمارسون سياسة ترتكز على المؤسسات والادارات, فهذه المؤسسات والادارات السياسية لديها ثوابت محددة ومعلنة ومعروفة, وعلى ضوء هذه الثوابت تقوم سياستهم ويمارسها او يفعلها اي شخص يأتي الى الحكم! .. ويغيب عن العقل العربي ان الشعب الامريكي لا ينتخب رئيسا بذاته, وانما يعطي صوته للبرنامج الانتخابي الذي يرى فيه مصلحته والذي حتما سيطبق وينفذ بعد فوز صاحب هذا البرنامج.. وفي حالة عدم تطبيقه لبرنامجه وعدم تنفيذه للوعود التي اعلنها في حملته الانتخابية يكون مصيره الاعدام من فوهة مسدس مواطن عادي, اندفع من خلال شعوره بأن الرئيس الذي انتخبه قد خذله ولم يف بوعوده! .. فلقد جاء الوقت لكي ينفض العقل العربي تراب الوهم والآمال الكاذبة.. وبدلا من ان يبدي ارتياحه لمقدم زعيم جديد.. عليه ان يفكر بآلية جديدة تتناسب مع الواقع الذي نعيشه, ونبدأ في التفكير بتشكيل لوبي عربي اسلامي في الولايات المتحدة ونجتهد لتوحيد سياستنا الخارجية ونفعل ونتفاعل داخل عقر ديارهم.. حتى نستطيع ان يكون لنا تأثير في صنع القرار الامريكي.. واقناع الولايات المتحدة بأن مصالحها الاستراتيجية في الشرق الاوسط.. ونحاول ان ندخل في مفاهيمها بأنها ستتضرر بانحيازها المطلق الى حماية اسرائيل ودعمها عسكريا وسياسيا وماديا! صحفي بجريدة السياسة الكويتية