هل فوجىء احد بنتيجة الانتخابات الرئاسية في السودان؟ قبل الانتخابات تبارى عدد من الكتاب العرب في الهجوم عليها باعتبارها حيلة لتثبيت النظام الحاكم في السودان.. ولهذا اعتبروها عملية انتخابية بلا معنى. واحب كمواطن عربي ان اتساءل: متى كان للانتخابات في العالم العربي معنى؟ ان الممارسة الانتخابية في نظام ديمقراطي تعددي وسيلة لتداول السلطة بين القوى السياسية المختلفة بطريقة سلمية, هذه هي القاعدة الاساسية, لكن العملية الانتخابية كما تمارس في العالم العربي - وغالبية دول العالم الثالث - يقصد بها الابقاء على امر واقع بمسحة شرعية شكلية. وكون ان عملية الاقتراع في اي انتخابات عربية لا تأتي إلا بالحزب الحاكم او الرئيس الحاكم في كل دورة انتخابية فلأن النتيجة مقررة سلفا.. وبناء على هذا القرار المسبق يجري ترتيب العملية الانتخابية بكل مراحلها من الالف الى الياء في اتجاه هذه النتيجة. غير ان ازمة الديمقراطية في العالم العربي لا تنحصر في الحزب الحاكم, فمن بين العوامل التي تؤدي الى تقويض نظام ديمقراطي تعددي مسلك احزاب المعارضة وما يسمى بمنظمات المجتمع المدني, فالاحزاب في العالم العربي عموما لا تتوخى النهج الديمقراطي داخل هياكلها واجهزتها فهي كيانات تتحكم في مسارها وتوجهاتها (شلة) صغيرة هي التي تعين رئيس الحزب وقياداتها وتحتكر عضوية جهازه القيادي, بل وهناك احزاب ايديولوجية لا تؤمن بالنهج الديمقراطي اصلا انطلاقا من عقيدتها الايديولوجية الاساسية, ومع ذلك فهي طالما ظلت في المعارضة, لا تكف عن المطالبة بحريات التعبير الديمقراطية, اما منظمات المجتمع المدني الاخرى كالنقابات فإنها تنظر الى حريات التعبير والتنظيم التي يكفلها النظام الديمقراطي التعددي كأدوات جاهزة سهلة الاستغلال لهز هيبة النظام الديمقراطي نفسه عن طريق الاضرابات المتسلسلة اللاموضوعية واساءة استخدام الحرية الصحفية. هذا ليس قدحا في النهج الديمقراطي نفسه, علما بأنه لا يخلو من نقائص ومعايب بطبيعته, وانما في رؤية الاحزاب والمنظمات العربية للديمقراطية وكيفية ممارستها. وهذا بدوره يقودنا الى القضية الاعظم: فالنظام الديمقراطي ليس مجرد مؤسسات وحريات وانتخابات نزيهة هو قبل ذلك كله مجموعة قيم عليا.. بدونها ينهار اي نظام ديمقراطي مهما طال به الزمن. هي بالضرورة قيم تربوية. والديمقراطية بالدرجة الاولى مسئولية واخذ وعطاء. وفي هذين الاعتبارين يجب ان تنبثق وتتفرع قيم مثل احترام الرأي الآخر, ليس داخل البرلمان فحسب, بل حتى في اطار الاسرة ومثل الاقبال على ممارسة حرية التعبير بمسئولية الضمير والغيرة الوطنية.. لا بمبدأ (علي وعلى اعدائي). والسؤال الذي يطرح عادة في هذا السياق هو: أليس الشرط الضروري لبلورة هذه القيم وترسيخها شعبيا هو الابقاء على النظام الديمقراطي واستمراره؟ الاجابة عن هذا السؤال الكبير تقع على عاتق قادة الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني مع قواعدها الجماهيرية في آن معا. فإذا هذه القيادات والمنظمات وجماهيرها تعيش عهدا ديمقراطيا تعدديا فهي المسئولة بمسلكها العملي عن المحافظة على النظام الديمقراطي, ان شاءت سلكت مسلكا مسئولا.. وان شاءت سلكت مسلك الفوضى التي تذهب بهيبة النظام الديمقراطي وتغري الانقلابيين بالتدخل. اما اذا كانت الاحزاب والمنظمات تناضل من اجل استرداد نظام ديمقراطي فإن عليها أولا ان تستوثق انها هي نفسها, أولا وقبل اي شىء, كيانات تمارس النهج الديمقراطي داخل اجهزتها.