يراودني سؤال مر يثقل كاهلي, اطرحه على الرغم مما يحمله من حرج, وزره علي وخيره, ان كان فيه خير, لمن ينتفع به وبين يديه اقول: انني لا ارى في التفاوض على قضية فلسطين حلولا لها, فالاستعمار يقاوم ولا يسالم, والاحتلال الصهيوني يقاتل ولا يفاوض واليهودي الذي حماه الاسلام عدو للامم والعقائد ومنها الاسلام, وما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة والمشروع الصهيوني يستهدف الامة العربية وقضية فلسطين قضية قومية ومسئولية عربية في الوقت ذاته, وتأتي قضية القدس فيها لترفعها درجات, ولترفع المسئولية والاهتمام بها درجات: عربيا واسلاميا اقول هذا قبل ان ادلف الى السؤال واتعامل مع حيثيات ومعطيات فرضته: هل تم استدراج الرئيس عرفات الى كمين (بولينج) فأرسل اليه مفاوضيه بخفة واستخفاف واضحين بالدم والشهداء ورأي الامة, ام هل لعرفات برنامجه المخالف لكل توقعات معظم ابناء فلسطين وتطلعاتهم ومعظم ابناء الامة العربية وتطلعاتهم, وهم الذين يدعمون القضية ويعملون من اجلها منذ عشرات السنين؟ لقد تم وضع المفاوض الفلسطيني الآن وسلطته في موقع الرافض لمبادرة كلينتون ويا ليته يرفضها.. ولكن.. اي مبادرة الراعي الاول للمفاوضات, الذي بيده 99% من اوراق الحل, لان ذلك المفاوض انتقل من موقع قوة الى موقع ضعف, فقد قبل بالتفاوض وفق مرجعية كامب ديفيد الثانية من دون تصريح, ولم يقبل بالمبادرة المبنية على تلك المرجعية من دون تلميح, فقد نبعت المبادرة الامريكية الاخيرة اصلا مما كان في سبيله الى الاعلان عنه بوصفه اتفاق مبادىء او ورقة حل نهائي في كامب ديفيد الثانية, والمفاوض الفلسطيني الذي خرج من كامب ديفيد تلك ليبحث عن غطاء عربي واسلامي لموافقته على الحلول المقترحة هناك, يماطل اليوم في قبول تلك المبادرة ليجد له غطاء عربيا واسلاميا ايضا كالعادة, في لجنة المتابعة العربية التي انبثقت عن القمة الاخيرة, وهي تنعقد الخميس الاول من عام 2001 ولجنة القدس لقد عاد الفلسطيني السلطوي الى التفاوض في قاعدة (بولينج) من دون ان يضمن شيئا وكأن الدم الفلسطيني الطهور كان يدفعه الى مواقع الضعف والتنازل وليس الى مواقف القوة والتمسك بالحق بكل قوة وجاء ذهابه في توقيت عطل توجها مؤكدا لمجلس الامن باتخاذ قرار دولي يوضع بموجبه قوة دولية لحماية الفلسطينيين في الاراضي المحتلة, وهو قرار كان من المحتمل ان تواجهه ادارة كلينتون بالفيتو, ولكنه سيضع امام العالم, ارادة دولية تقف الى جانب الشعب الفلسطيني عطلتها ارادة امريكية - اسرائيلية مشتركة بالفيتو, بدلا من ان يضع امام العالم الآن: ارادة امريكية.. اسرائيلية دولية تعطلها (ارادة فلسطينية او عربية) برفض المبادرة الامريكية للحل.. وفي هذا التصرف مكسب صهيوني: امريكي - اسرائيلي واضح!!؟ لقد ذهب مفاوضو عرفات الى بولينج من دون رؤية كافية للمناخ المحيط بهم الآن بعد ثلاثة اشهر من انتفاضة الاقصى ومن دون حسابات دقيقة للمتغيرات الصهيونية والامريكية.. ذهبوا على الرغم من رفض الانتفاضة لذهابهم ومعارضة الشارع الشعبي: الفلسطيني والعربي والاسلامي لذلك وربما ذهبوا على هذا النحو بهدف وضع الجميع في حالة حرج ظاهر ليتم تنازل قاهر!!؟ من يدري فالقراءات السابقة للتنازلات المستمرة والعنتريات المستقرة منذ 13 ايلول 1993 مولد كارثة اوسلو حتى الآن ترجح مثل هذا التوجه في الفهم والتفسير وحين فتحوا ملفاتهم الجديدة - القديمة لم يجدوا شيئا متقدما عما كان امامهم في كامب ديفيد الثانية, بل وجدوا فخا منصوبا بعناية ودراية, ان هم تكلموا عنه تلبسهم الحرج, وان هم اخفوه وتغاضوا عنه تلبسهم قصر النظر وفي كل من هذه الامور يقدم الشعب الفلسطيني والامة, وتسدد الانتفاضة كشف الحساب/ اكثر من 350 شهيدا وآلاف الجرحى والمزيد منهم من اجل عيون باراك القنفذيتين. لقد اعلن باراك قبوله مبادرة كلينتون ورفض الذهاب الى قمة شرم الشيخ التي دعا اليها الرئيس مبارك. وقد رفض باراك الذهاب الى قمة شرم الشيخ لانه يريد اولا قبولا عرفاتيا بمبادرة كلينتون التي هي في الاصل نص (اسرائيلي) معتمد امريكيا فالاتفاق قائم منذ زمن طويل بين الادارات الامريكية والكيان الصهيوني على ألا تتقدم الادارة الامريكية بمقترحات تتعلق بالصراع العربي الصهيوني من دون موافقة اسرائيل وحين وقع انفجار الحافلة في شارع من شوارع تل ابيب مساء 28 كانون الاول 2000 الذي قامت به مجموعة صلاح الدين, وكذلك تفجير عبوة ناسفة بجنود صهاينة جنوب غزة في اليوم ذاته - مجموعة سرايا القدس - كانت تلك فرصة لباراك ليؤكد للناخبين الصهاينة انه لن يتهاون في ملاحقة الفلسطينيين وتصفيتهم ولن يتساهل في موضوع القدس والحدود والمستعمرات وفي رفض عودة الفلسطينيين, وقد اتصل مساء ذلك اليوم بالحاخام الاكبر (اسرائيل لاو) ليخبره بذلك وليكسب بركة المتشددين واصواتهم معلنا حملة جديدة من الحصار والاغلاق والتصفيات الجدية ضد الشعب الفلسطيني المعزول في قراه ومخيماته ومدنه بقوات الاحتلال وقطعان المستوطنين. الآن: باراك مقبل على مواجهة انتخابية مع شارون, وباراك يحتاج الى دعم قوي وربما رأى الامريكيون وبعض العرب ان باراك على دمويته وسجله الارهابي العريق ونكثه للعهود وعدم تنفيذه لما يتم الاتفاق معه على تنفيذه, اقل سوءا من شارون صاحب السجل الاسود في العنصرية والدموية والارهاب والنكث والكذب ولما كان معظم من في الشارعين: الاعلامي والرسمي العربيين, يدخلون معركة الانتخابات الصهيونية على نحو ما بحمية واضحة, فإنهم سيعملون على دعم باراك بتقديم فرصة حل له يسوقها انتخابيا خلال الاربعين يوما المقبلة, ثم يعطل ما يتم الاتفاق عليه, شأنه في ذلك شأن اسلافه منذ اوسلو على الاقل وحتى اليوم, ويسوقونها هم انتصارا عربيا في الشارع العربي المتعب, ويعلمنا استقراء الحوادث انه يتم دعم المرشح اليهودي بدماء عربية في كل الانتخابات التي تتم في الكيان الصهيوني سواء اكانت انتخابات (كنيست) ام انتخابات رئاسة حكومة, بعد جعل هذه الانتخابات مباشرة منذ عام 1996وكل حزب في الكيان الصهيوني ينافس الآخر مستندا الى المتعاونين والمتعاملين معه في سفك دم عربي اكثر واقامة مستوطنات اكثر وتشدد في المطالب لمصلحة المشروع الصهيوني اشد. ولم يكن برنامج باراك الانتخابي في مبادرة كلينتون التفاوضية المعروضة الآن اقل تشددا من برنامج شارون للانتخابات المقررة في السادس من شهر شباط 2001 واذا كان شارون يعلن رفضه الضمني لكل ما قد تتفق عليه حكومة باراك مع سلطة عرفات, فإن باراك يعد الحاخام الاكبر (اسرائيل لاو) عمليا بتعطيل كل ما لا توافق عليه الحاخامية العليا من مواد في الاتفاق. وفي هذا السياق فإن وقفة قصيرة مع الافكار او المقترحات التي قدمتها ورقة الرئيس كلينتون للمتفاوضين في قاعدة بولينج من الامور المفيدة. اولا: في موضوع القدس السيادة على المدينة كلها يهودية (قدس موحدة) وعاصمة للدولة العبرية وعاصمة دولة السلطة في القدس الموسعة اداريا - حيث قرية (ابوديس - العاصمة) جزء من القدس والسيطرة لكل من الطرفين على المناطق التي تحدد له والسيطرة على ما تحت سطح الحرم القدسي مشتركة والسيطرة على حائط البراق وقدس الاقداس والاماكن المقدسة عند اليهود, مما يقع في نطاق الحرم القدسي, للكيان الصيهوني - السيطرة على القسم السطحي من الحرم وعلى الاحياء العربية في القدس القديمة للسلطة, ولا يجوز لها ان تحفر تحت الاقصى. والمستوطنات المحيطة بالقدس بما تضمه من بشر حوالي 250 الف مستعمر يهودي في القدس وما حولها منذ 1967 لليهود, ويضم الكيان الصيهوني 80% من المستوطنات القائمة حاليا في فلسطين المحتلة بعام 1967 اليه. ـ تعترف السلطة والدول العربية والاسلامية بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني, وتنقل السفارات اليها, وتسحب كل قضية تتعلق بها من التداول السياسي. ثانيا: الارض تأخذ السلطة قطاع غزة و94 - 96% من اراضي الضفة الغربية ويستبدل الصهيانة 3 الى 4% من ارض الضفة بأرض من النقب ويقضمون الباقي وقد يستأجرون بعض مواقع المستوطنات الى ابد الآبدين, وتبقى سيطرتهم على الحدود الشرقية قائمة, بمواقع عسكرية, ومحطات مراقبة, ومخازن ذخيرة, اما سيطرتهم على فضاء فلسطين - المجال الجوي - فتامة ونهائية وليس للسلطة شراكة فيها عمليا, ودولة السلطة منزوعة السلاح الثقيل. ثالثا: اللاجئون لا عودة لفلسطينيي عام 1948 الى فلسطين المحتلة منذ ذلك التاريخ وقد يفكر الكيان الصهيوني في عودة بعض اللاجئين - يتكلمون عن مئة الف كحد اقصى - يوطنهم في ارض قد يعيدها الى السلطة بتبادل الاراضي بمنطقة حالوتس في النقب, وفي حالات يقررها هو. تشرف لجنة دولية على موضوع توطين وتمويل وتأهيل اللاجئين والنازحين, ويوطن من يوطن منهم في بلدان عربية وفي العالم, او يهيئون ويوطنون في ارض السلطة الفلسطينية وفي المقدمة منهم اللاجئون في لبنان, ولا يمكن السماح لاحد من اللاجئين ايا كان بالتوطن في القدس, وتعلن بذلك نهاية تامة للقرار 194 بوصفه قرارا تم تنفيذه تماما على هذا النحو, ويسحب من التداول السياسي, كما تعلن نهاية للقرارين 242 و338 بوصفهما قرارين تم تنفيذها ايضا وفق هذا الاتفاق ويسحبان من التداول السياسي. ان التدقيق في هذه الخلاصة يشير الى: 1 - ان قرار مجلس الامن رقم 194 الذي اتخذ في عام 1948 تم الالتفاف عليه تماما ولم ينفذ منه شيء على الاطلاق لان اللاجئين الذين ينص ذلك القرار على عودتهم الى ديارهم شردوا قبل صدوره ويفترض - حسب ذلك القرار - ان يعودوا الى الاراضي التي شردوا منها: فلسطين 1948, وبينما حرموا جميعا من هذا الحق, واعتبر القرار 194 بحكم المنفذ حسب المقترحات الامريكية - الصهيونية المقدمة الى السلطة. 2 - ان القرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الامن, نفذا بصورة مشوهة تماما فلم يتم انسحاب تام وشامل من الاراضي المحتلة عام 1967 ولم تنفذ القرارات المتصلة بالقدس, وما اكثرها وتم اعتراف بالاستيطان في القدس وفي المستوطنات المقامة في الضفة الغربية 11 مستوطنة, كأمر واقع, ولم تقم في الارض الفلسطينية المقترح تطبيق الاتفاق عليها دولة فلسطينية بالمعنى الدقيق للدولة المستقلة ذات السيادة, لا وفق القرار 181 لعام 1947 ولا وفق القرارين 242 و338 المشار اليهما ولم يتحمل الكيان الصهيوني اية مسئولية اخلاقية او مادية حيال المعاناة المرة لاجيال من الفلسطينيين منذ عام 1948 ولم.. ولم.. ولم.., الخ. ان الصيغة المقترحة للاتفاق تأخذ بالاعتبار احتياجات الكيان الصهيوني وحده في حجمه الحالي وتركيبته الدينية, وتلحظ احتياجات المشروع الصهيوني مستقبلا من حيث امتلاك القوة العسكرية والتفرد في امتلاكها, والهيمنة التامة على المنطقة, ووضع الفلسطينيين, مستقبلا من خلال وضع (سلطة تمثلهم) تحت السيطرة الصهيونية حسب مرحلياته والمتغيرات التي يعمل على تحقيقها وفق ما يخدم رؤية المشرفين على تنفيذه. فهل يجوز ان نقول بعد هذا ان هناك حلولا عادلة لقضية عادلة وتفاوض بين طرفين ندين ووسيط نزيه يرعى المفاوضات بعدل وحكمة وتوازن, وحرص على السلام!؟ ان الحقائق والوقائع والاستنتاجات كلها تشير الى ان العدو الصهيوني وحليفه الامريكي الذي لا يقل عداء لاحلام ابناء الامة العربية عن الصهيوني يحاصران الانتفاضة والشعب الفلسطيني لتصفية القضية, واحكام القبضة على انظمة واقطار عربية تتفلت من القبضة الامريكية الصهيونية, وترفض حلولا جزئية وتسويات تصفوية لقضية العرب المركزية: قضية فلسطين, وابقاء المنطقة كلها تحت السيطرة, واجهاض الصحوة العربية - الاسلامية, ,وتسخير القوة العربية لتبطش بشكل ما بالشعب العربي وتبقيه في القيد والغل والقهر والذل. والسؤال هو: الى متى يحكمنا ويتحكم بنا العدو الصهيوني الذي يحكم من تل ابيب او من واشنطن, والى متى نبقى اسرى صنائعه: نصون مصالحه, ونستهلك بضائعه ونقتل برصاصه ونقهر بأوامر منه!؟ الى متى نبقى ارادة معطلة, واحلامنا تضارع الاوهام, وجموعا يسيرها الطغاة والبغاة والاصنام!؟ والى متى يبقى دمنا رخيصا وسلعة تباع وتشترى في سوق السياسة.. لا يحقق هدفا ولا يشد الجموع الى حزم وحسم, لنكون امة حرة تتمتع بالاستقلال الفعلي وجديرة بالانتساب الى تاريخها وحمل عقيدة شرفها الله سبحانه بحملها!؟ انه سؤال الاجيال والمعاناة, والدم, والشهداء, والمقاومة, والوعي المسئول, والمسئولية التاريخية.. فهل نجيب عليه او نستجيب له؟!