في الثانية عشرة من مساء يوم امس الاحد, وضع الزمن حداً فاصلاً ونهائياً لقرن كامل ولعام هو آخر اعوام القرن العشرين, اما كيف كان ذلك القرن, وكيف عاشت البشرية آخر أعوامه وكيف اختتمت آخر ساعاته, فهذا ما ستتكفل صفحات الجرائد وبرامج التلفزيون في بثه والتعليق عليه بالصوت والصورة. اما كيف قضى معظمنا مساءه وهو يودع هذا العام فسؤال ليس بالمهم جداً ولكنه قد يرد على الذهن. البعض وهؤلاء قلة, اجتمعوا معا واحتفلوا معا كل بطريقتهم خارج منازلهم او داخلها, حتى الفجر أو بعد شروق الشمس ذلك لا يهم, لكنهم اغتنموا احدى الفرص المتاحة للتلاقي وافتعلوا متعتهم الخاصة وفرحهم الذي يشبههم بالتأكيد, ثم ناموا حتى ما بعد منتصف النهار واستقبلوا يومهم التالي فيما بعد الظهر. الاكثرية قضت مساء الامس على الهواتف النقالة اما في استقبال الرسائل الالكترونية واما في ارسالها, عابثة بالوقت الاخير من العام الاخير في القرن بالطريقة ذاتها التي عبثت به طوال الاعوام السابقة, اما السعيد الاول, والمستفيد الأول والأخير من العام الجديد فهي شركة (اتصالات) بالتأكيد فلها نقول: (هابي نيو يير اتصالات)! و(هارد لك) لكل الذين جعلوا المحمول لعبتهم الوحيدة ليلة أمس. اليوم هو أول ايام العام الجديد في القرن الجديد, تاريخ مختلف وزمان آخر تلجه الانسانية وظهرها ينوء بالكثير الكثير من اعباء عشرين قرنا زاخرة بآحداث جسام لا يمكن استعادتها بسهولة, لكنها برغم ما ترزح تحته من ثقل, مطالبة بالاستمرار, فهكذا هي حكمة البقاء في عمر البشرية, وكلنا سنسجل في الزمان الآتي ما نستطيعه وما نحن جديرون به, ذلك ان كل امة جديرة بتاريخها, ومسئولة عن حاضرها, وعلى قدر مستقبلها, و31 ديسمبر من كل عام مناسبة جيدة ليقول فيها كل الناس لبعضهم البعض: كل عام وأنتم بخير, ثم تنهمر الكلمات داعية بتحقيق الآمال والطموحات, ولعل أغرب ما في بعض هذه الأمنيات عند من يهنئونك أحيانا أن يخترعوا لك أحلاما على مزاجهم, ثم يطلبون من الله أن يحققها لك, ويلحوا عليك أن تؤمن على دعواتهم بقولك: آمين أو ان شاء الله! بينما تتلعثم انت حائرا لا تدري اتقبل هذه التمنيات المجانية أم ترفضها؟ لكنك تؤثر السلامة فتسكت متمتما بصوت مسموع: ان شاء الله ولك مثل ما دعوت مع خالص الشكر! لقد غضبت أمي لان بعض اخوتي تبادلوا أمامها التهاني بمناسبة العام الجديد على طريقة (هابي نيو يير), بينما امتلأ المكان من حولنا بأصوات الرسائل الالكترونية عبر الهواتف المحمولة زافة التهاني بالسنة الجديدة, دون أن نعلمها بفحوى الرسائل حتى لا تزداد غضبا! وبين غضب أمي الذي أعرف أسبابه جيدا, وبين احتفالات العالم حولنا بالعام الجديد مسافة كبيرة جدا, اقف فيها مع غضب امي الذي يذهب بعيدا الى حيث تتمرد الأسئلة, وتتلاشى مقدرتنا على افتعال أي جواب حتى وان كان كاذبا, تلك الاسئلة الكبيرة التي تفلت من الزمام برغم الحصار والمفاوضات البائسة, والمقايضات الرخيصة والضغوط. أسئلة حارقة تتمدد عبر المدى, واصلة الشرق بالغرب, مجنحة في كل الاتجاهات تبحث عن وجوه شتى!! تبحث عن وجوه نسيت طعم الفرح وعبارات التهاني, أسئلة تتوقف بجلال وهيبة عند اقدام امهات الشهداء هامسة: كيف عيدكم بعد رحيل حبات القلوب؟ وعند عيون أبناء الشهداء يتساقط دمع الأسئلة: ما هي التهنئة التي تستحقون أن تبعث لكم؟ وأمام ابواب الفقراء تتدثر الاسئلة بخجلها واضعة أمام الابواب ورقة تقول: هل تعرفون اعياد رأس السنة, هل تختلف سنواتكم عن بعضها البعض؟؟ لكم الله, وللآخرين الرسائل الالكترونية!