تحديدا, في أواخر شهر سبتمبر 1999, وبعد التصريح الطبي باستخدام دواء الفياجرا في المجتمع الاسرائيلي مشروط بوصفة طبية, انتعش الاسرائيليون فأقبلوا على شرائه الى ان اصبح بذلك اعلى خامس دواء من حيث ارقام المبيعات في اسرائيل, فقد فاقت مبيعاته العديد من مبيعات الادوية العامة والشائعة لتخفيف الآلام مثل الصداع والتي غالبا لا يحتاج صرفها الى وصفة طبية. ولكن, كما يقول المثل العربي الشائع: (يا فرحة ما تمت!) فمنذ قيام الانتفاضة المباركة في اواخر شهر سبتمبر 2000 دفاعا عن القدس والامة بات الامر مختلفا تماما لدى الاسرائيليين الذي بدا واضحا بأن الفياجرا كان صديقهم على مدى عام من الراحة ليمنحهم المتعة والبهجة. فتؤكد احدى الدراسات التي نشرت مؤخرا في الصحافة الاسرائيلية بأن مبيعات الفياجرا قد تراجعت في فترة الانتفاضة, وقد تفاوتت نسبة الانخفاض هذه باختلاف المناطق, فقد كانت القدس المحتلة الاكثر تأثرا حيث انخفضت النسبة الى 25% عما كانت عليه قبل الانتفاضة, ويليها بذلك على التوالي مدينة تل ابيب ومناطق الجليل في شمال فلسطين, ومن جهة اخرى فإن الاقبال على شراء الادوية المهدئة وتعاطي المشروبات الكحولية في ازدياد مضطرد لتخفيف القلق الذي اصابهم بفعل تأجج الانتفاضة. فبالاضافة الى تأثير الانتفاضة المادي على اسرائيل المتمثل في قتل مايزيد على 35 اسرائيليا, وهروب الشركات العالمية من تل ابيب التي كانت تنوي اتخاذ اسرائيل مركزا اقليميا لها, وكذلك ضرب القطاع السياحي الذي بدأ يتنامى في ظل الاتفاقيات السلمية الهشة, وغيرها من القطاعات, فثمة تأثير عميق تسوقه الانتفاضة الى الخليط الاسرائيلي المستنفر في تجمعاته ومجتمعاته لتهزمه في معنوياته, وتؤكد له بأن ارض فلسطين ليست الموعودة وانها ليست جنتهم على هذه الارض وانما هي ثكنة عسكرية محفوفة بالقلق والرهبة والخوف, وانهم كلما حاولوا الانتماء اليها, كلما زاد خوفهم ورعبهم, وكلما لفظتهم وخذلتهم اكثر. ومن هنا يجب علينا ان نستقرىء الكثير من نتائج الدراسات التي تؤكد بأن هذه الدولة العبرية المركبة والمغلفة بقوة السلاح وبالدعم الامريكي, تحتوي في جوهرها هشاشة المجتمعات غير المنتمية مقطعة الاوصال والجذور, فمثلا ان نسبة التسرب واستنكاف الخدمة العسكرية في اسرائيل هي من اعلى النسب بين جيوش العالم, فضلا عن تعاطي المخدرات بين جنودهم, واما المجتمع الاسرائيلي, فحدث ولا حرج, حيث ان الدعارة وحالات الانتحار ومحاولاتها والتفكك الاسري هي من أعلى النسب. ان مجتمعا كهذا, يقوم على العلاقة المادية بين افراده, وعلى علاقة نفعية مع ارض احتلها, وتسانده الكحول والحبوب المهدئة ليكون قادرا على الاستمرار في الحياة ويتكىء على الدولار الامريكي ليقضم الاراضي والحقوق وسط أمة عربية متجانسة اللغة والدين, سيكون مجتمعا مرتبكا غير متناغم فيما بينه مصاب بالكثير من عقد الخوف والرعب التي ستجعل حياة افراده جحيما. وهذا ما قامت به الانتفاضة المباركة وستأتي أكلها بنفسها الطويل على الرغم من ألمها وشهدائها لان في ذلك انتماء والتصاقا بالارض وطريقا لاستعادة المفقود من الكرامة العربية, ولأن القلق في حياتهم مدعاة للاستمرار في النضال والبقاء في وجه ما تمارسه اسرائيل من أساليب الابادة والترويض ومع ان عدد افراد الاسرة الفلسطينية يعتبر من أعلى النسب في المجتمعات العربية, فإنني أراهن واجزم بأن معدلات الولادة الفلسطينية قد زادت في فترة الانتفاضة وبدون ما يسمى بـ (الحبة الزرقاء) طبعا. hani@albayan.co.ae