الحادي والثلاثون من ديسمبر .. اليوم الاخير في هذا العام.. وكل الأعوام. الحكاية التي تتكرر دائما. الجديد فيها هذه المرة انه اليوم الاخير في القرن العشرين على ارجح الاقوال. القضية التي تشغل البعض هي الكيفية التي سنتعامل بها مع ساعات هذا اليوم.. مع الدقائق وهي تمر.. مع الثواني وهي تتوالى. سيعيشها البعض بشعور من يلقي من على كاهله حملا ثقيلا يكاد يقصمه, وسيعيشها البعض الآخر بشعور من يودع عزيزا يكابد ألم فراقه. لن ندخل بالطبع في مجال جرد احداث العام او القرن, فقد تكفلت بذلك جميع وسائل الاعلام من خلال برامج تلفزيونية واذاعية وملاحق قامت باصدارها الصحف على مدى الايام القليلة الماضية. ولن ندخل ايضا في مجال جرد حساباتنا المادية وارصدتنا كما تفعل البنوك في هذا اليوم من كل عام فتغلق ابوابها, ويعكف موظفوها على اغلاق حسابات العام الذي انقضى لاعداد كشوف الارباح والخسائر. ولكننا سنفعل شيئا شبيها بذلك مع الاختلاف في مادة الجرد. سوف نغلق على انفسنا ستائرها غير المنظورة.. وسنجلس امامها وجها لوجه.. ونرفع عنها كل الاقنعة التي ترتديها.. ونمسح كل الاصباغ التي تغطي عيوبها ليراها الآخرون زاهية المنظر بهية الطلعة جميلة الظاهر نقية الباطن.. وسننضو عنها كل مظاهر الزيف التي نخدع بها المحيطين بنا.. وسندعو ضمائرنا التي منحها بعضنا اجازة مفتوحة كي تشهد هذه الجلسة التي ربما لا تتكرر, وسيكون لها الدور الاول في رصد الدرجات وتسجيل نقاط القوة والضعف فينا, وسيكون ضروريا ان نتحلى بالروح الرياضية المطلوبة لتقبل نتائج هذا الامتحان الصعب الذي لم يفرضه احد علينا وان كان سيترتب عليه امور تصورها سابق لأوانه. سوف نسأل انفسنا اولا: الى اي درجة نحن صادقون معها؟ وكم مرة حاولنا الهروب من لحظة المواجهة هذه؟ وسنستحضر كل القيم والمبادئ التي جاءت بها الرسالات السماوية وتوصل اليها الفلاسفة والحكماء منذ بدء الخليقة لنجعلها المعيار الحقيقي لكل خطوة خطوناها منذ ان وعت عقولنا وبلغت سن الرشد لنعرف مقدار ما التزمنا وحجم ما تنكبنا من الطريق السوي خلال رحلة حياتنا. وسنفتح ملف علاقاتنا بكل المحيطين بنا ونضع النقاط على الحروف لنحدد نوع الصلة التي تربطنا بهم, ونتجرد من كل الادعاءات التي نجاهر بها, ونتغلغل في دواخلنا لنكشف الغطاء عن حجم المصالح التي تحكم هذه العلاقات وتلقي بظلالها عليها, وتحدد المسافة التي تقربنا من البعض وتبعدنا عن البعض.. ولا داعي لأن نتحسس من شبهة نفاق او سعي لمصلحة شخصية ربما تتسلل الينا فتصفعنا نحن المتشحين برداء الفضيلة المتدثرين بغطاء الاخلاق طالما ان الامر بيننا وبين انفسنا المتجردة الخاضعة لهذه المكاشفة الصريحة. وسنفعل الشيء ذاته فنقيم علاقات الاخرين بنا, وننحي جانبا ما نوهم انفسنا به من تبريرات واسباب نرضي بها غرورنا, ونضخم بها ذواتنا متجاهلين الاسباب الحقيقية لاقتراب الاخرين منا وروابطهم بنا.. تلك الروابط التي سريعا ما تنفصل عراها اذا ما تغيّرت ظروفنا او مالت الريح بنا او عنا لتتحول دفة سفنهم واشرعتها مع اتجاه الريح لتقودهم الى شواطئ اخرى غير شواطئنا وترسو بهم في مرافئ اخرى بعد ان تغدو مرافئنا غير صالحة لتخزين بضائعهم التي تبحث عمن يشتريها بالثمن المناسب الذي يقدرونه لها. وخلال ذلك كله ستصهر نار محبتنا ذهبا لا تكشف نقاءه سوى المحن والشدائد التي دعا لها شاعرنا العربي القديم اذ عرف بها عدوه من صديقه, وسنكتشف ان ايام الرخاء غير مؤهلة لصهر معدن الاحبة والاصدقاء والخلان, اولئك الذين نتعجب من كثرتهم حين نعدّهم ولكنهم في النائبات قليل, فليس اقدر على كشف الاقنعة من محنة نجد انفسنا فيها, وليس من نعمة اكبر من زوال الاقنعة وانكشاف الوجوه. ولأن الجلسة سريّة فسنعرض كل الاشرطة المخزونة في الذاكرة, وسننفض عنها كل الاتربة واطنان غبار الزمن المتراكمة لنكتشف حضورا لمشاهد لا يمكن ان يطمس صورتها كرُّ الايام, وسنعرف ان حصاد اليوم هو غرس ايادينا بالامس. وخلال العرض المتواصل هذا سنجرّع انفسنا مرات كاسات الندم, ونعضّ اصابعنا مرات لقرار لم نعرف كيف اخذناه, ولظرف لم نعرف كيف اليه ساقتنا الاقدار, ولدرب لم نعرف كيف قادتنا اليه الاقدام, ولعمر لم نعرف كيف تسلل من بين اصابعنا.. كيف تبعثر من سلة احلام كنّا نرسمها ونحدد كل ملامحها, ونصوغ لها اجمل ما نعرف من نثر.. نختار لها اعذب ما نحفظ من شعر.. ونضيء جوانبها بشموع نغزلها كجديلة اجمل حورية.. وننام على امل نتوسد راحته.. نتوسم بهجته.. نتنسم رائحة الازهار تهل علينا من ورد حديقته.. نترسم خطو الافراح مشتها الاقدام لجنته. ونفيق على غدر الايام .. وندرك حجم الاوهام وقد عاشت زمنا تدفعنا نحو مرافئها وتسيّر دفة زورقنا.. ونفيق على موج يتقاذف ذاك الزورق.. يرفعه حينا ويعود الى اللجّة يلقيه. لكنّ الصورة ليست قاتمة في كل جوانبها, فخلال الرحلة يصفو البحر وينساب الزورق فوق الصفحة يتهادى.. وخلال الرحلة تغمرنا اوقات للبهجة فيها ساعات.. وخلال الرحلة ننشد ألحانا تنسينا كل مآسينا.. وتبدد ليل كآبتنا لتضيء سماء أماسينا. فلنفتح والعام يودعنا للأمل الابواب جميعا. لا بأس اذا انكفأت يوما بعض الآمال فلم تزهر.. فسيبقى للحلم بريق مادام النور هو المعبر. والعام يودِّع لن ننظر للنصف الفارغ من كأس ملأتها كف تصفعنا.. سنركز في النصف الآخر.. وسنبحث عن ذاك المخبوء وراء الشمس لنا.. وسنسعى نحو النور فليس سواه ينير بصيرتنا. هل يغدو هذا الحلم لنا حقا مشروعا؟ ان عاد لنا حقا مشروعا فالعام القادم يبسط للحلم طريقا, فلنغلق كل كهوف الحزن ونوصد ابواب الماضي, فغدا تتفتح ازهار.. وغدا يتدفق نهر الحب ليروي ذاك النوار, وغدا تتضوع دنيانا بأريج نرجو ان لا تفسد بهجتنا بشذاه طبائعنا ونفوس يجرفها التيار. اليوم سنطوي صفحة عام قد مرّ سريعا.. غادرنا والحفلة مازالت قائمة.. والدهشة تغمر كل وجوه المدعوّين وغير المدعوّين.. فهذا الحفل مباح لجميع شعوب الارض.. ينام البعض ويبقى البعض ليستقبل عاما اخر.. فلنفتح للعام القادم صفحات بيضاء.. ولنمضي الى العمر الآتي بخطى واثقة وعقول قد وعت الدرس.. فجميع الاعوام تمر كومضة ضوء وتغادر في طرفة عين.. ويظل حصاد الاعوام هو الذكرى.. نحملها من عام قد لملم كل الاوراق لنودعها عاما نرجوه سعيدا من كل الاعماق.