زال عصر الكتاب في الوطن العربي.. أو هو في حال عد تنازلي على طريق الزوال.. متقهقرا امام عصر شريط الفيديو الكاسح. هذه هي الحقيقة المؤسفة التي يمكن استخلاصها من ذلك التجاوب الملاييني من المحيط الى الخليج مع الشاشة الصغيرة خلال شهر رمضان الكريم وما كان يتدفق عليها لحظة بلحظة من مسابقات وفوازير ومسلسلات وسهرات غنائية وفواصل راقصة وحوارات من كل لون. باختصار, استثمرت الفضائيات وسائر محطات التلفزيون العربية رمضان بأن جعلت منه, عوضا عن شهر توبة وانابة ورجعة الى الله, الى شهر مخصص بالكامل تقريبا للتسلية الرخيصة. لكن العجب الحقيقي ان الناس كل الناس من مختلف الفئات العمرية والمستويات التعليمية والمراتب الطبقية, من المحيط الى الخليج, كانوا يجلسون الى الشاشة الصغيرة داخل غرفة.. ومن ثم ينسون انفسهم لعدة ساعات متصلة.. وكأنهم مسحورون. نحن اذن نعيش عصرا في العالم العربي عصر شريط الفيديو كوسيلة تثقيفية شعبية سواء عرضته علينا الفضائيات والمحطات او اقتنيناه بأنفسنا. وهذه ليست بشارة لانها تعني كساد ثقافة الكتب من ناحية وانجذاب النخب الابداعية من مجال تأليف الكتب الى مجال الاعلام الالكتروني. الضحالة والغوغائية والاثارة هي الطابع التمييزي للثقافة التلفزيونية لانها موجهة الى الجماهير بمختلف درجاتها من التعليم والوعي, وبالتالي فإنها تتوخى الوسطية او المستوى الادنى لكي تصل الى اكبر عدد ممكن من المتلقين بينما الكتاب, بصورة عامة, وسيلة تثقيف انتقائي ذو طابع خصوصي نسبيا. لكن ان نقول ان ثقافة شريط الفيديو وحدها هي المسئولة عن زوال عصر الكتاب في العالم العربي فهذا هو نصف القصة فقط, فرغم ان الثقافة التلفزيونية صارت تيارا عالميا كاسحا إلا ان للعالم العربي عوامل خصوصية ساهمت ايضا في التعجيل بنهاية عصر التثقيف الذاتي عن طريق الكتاب. ابرز هذه العوامل واشدها وأوسعها اثرا اضمحلال الطبقة الوسطى اقتصاديا في معظم انحاء الوطن العربي خصوصا البلدان غير النفطية. هذا الاضمحلال بدأ مع منتصف عقد السبعينيات في القرن الماضي بتراجع مستمر ومنتظم في القوة الشرائية لابناء الطبقة الوسطى المعتمدة على الرواتب كدخول محدودة بسبب تراجع قيمة العملة الوطنية, ورويدا افتقرت الطبقة الوسطى حتى ذابت تقريبا في الطبقات الادنى الافقر. لقد اضرت هذه الظاهرة المؤسفة بثقافة الكتاب من وجهين: اولا طغت الهموم والهواجس المعيشية اليومية على النابهين من ابناء الطبقة الوسطى مما صرفهم عن البحث العلمي والابداع الادبي, ثانيا اضطرت المعاناة المعيشية جمهرة ابناء الطبقة الى تعديل اولوياتهم اليومية بحيث صار اقتناء الكتب في اسفل القائمة.. مما ادى الى كساد تجارة الكتب. هناك ايضا عوامل سياسية على رأسها تقلص هامش حرية التعبير مما يجعل دور النشر تعزف عن شراء المخطوطات والنصوص ذات الطابع الانتقادي حتى لو كانت ذات قيمة علمية او ادبية عالية فتكون النتيجة ان السوق تغرق بمؤلفات تافهة. ان ازمة ثقافة الكتاب في العالم العربي في وجه هجوم الثقافة التلفزيونية تمثلها رمزيا حقيقة ان شريط الفيديو المسجل صار ارخص من الكتاب.. وحقيقة ان الفضائيات العربية تشتغل في معظمها على مدار الساعة.