اصبح الاتحاد الاوروبي ــ كنموذج وحدوي ناجح ــ ينافس الولايات المتحدة الامريكية في ادارة النزاعات الدولية وتطالب بعض دوله كفرنسا وألمانيا واسبانيا وايطاليا الولايات المتحدة الامريكية برفع حمايتها العسكرية عن اوروبا لأنها ــ اي اوروبا ــ اصبحت قادرة اليوم على ضمان امنها وحماية سيادتها, من اية تهديدات خارجية بنفسها وخصوصا بعد ان زال الخطر الشيوعي وانتهت الحرب الباردة بين القوتين العظيمتين التي كانت اوروبا مسرحا ساخنا لها لمدة خمسين عاما. الا ان المسوغات التي حاولت اوروبا ان تقنع بها الولايات المتحدة الامريكية من انها قادرة على الدفاع عن امنها قد لقيت جميعها معارضة ورفضا من الولايات المتحدة الامريكية لاعتقادها ان الرغبة الاوروبية بالانفصال عنها تمثل تهديدا ومساسا مباشرا بمصالحها الاستراتيجية في اوروبا. ومع ان الولايات المتحدة الامريكية ازالت عددا كبيرا من الصواريخ المتوسطة المدى من بعض الدول الاوروبية الا ان ذلك لا يمكن ان يفسر ــ برأي الولايات المتحدة الامريكية ــ على انه يمثل تراجعا في مسئوليات امريكا حيال اوروبا لان التحديات الامنية والاستراتيجية التي افرزها الواقع الدولي الجديد لفترة ما بعد الحرب الباردة الجديدة كتفكك منظومة الاسلحة الاستراتيجية التي كانت بحوزة الاتحاد السوفييتي السابق وتقاسمها بين روسيا واوكرانيا وبعض دول الاتحاد السوفييتي السابق وتمركز الاسطول الروسي الاوكراني بالبحر الاسود واحتمال اندلاع مواجهات عسكرية بينهما والخوف من ظاهرة النزاعات العرقية المطالبة بالاستقلال في بعض الدول الاوروبية, كلها تحديات تعتقد الولايات المتحدة الامريكية انها الوحيدة القادرة على مواجهتها انطلاقا من مسئولياتها بالادارة الدولية. الا ان اوروبا الموحدة تريد ان يكون لها كيان مستقل بذاته قادر على تأسيس فضاء اوروبي موحد لا تشترك فيه القوى الخارجية ويكون لهذا الكيان دور يلعبه في الحياة الدولية الجديدة ذلك ان لأوروبا مصالح كبرى يتعين عليها ان تحافظ عليها ومثل هذه الطروحات التي التي كانت فرنسا الداعية اليها خاصة بعد انتخاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك (الديجولي) والمعروف بمواقفه السياسية الداعية الى بناء اوروبا الموحدة, اخذتها الولايات المتحدة على محمل الجد وما كان منها الا انها تبنت استراتيجية ترتكز على احتواء المجموعة الاوروبية ومراقبة تحركاتها عن قرب وهذا ما حدث عندما غيرت المبدأ الاستراتيجي لحلف الشمال الاطلسي من مبدأ دفاعي الى مبدأ هجومي مع توسيع المجال الجغرافي للتدخل العسكري في اية منطقة من العالم ورفضت فرنسا بشدة المبدأ الجديد واعتبرته مبدأ جاء للرد على المطالب الاوروبية ومنها المطلب الداعي لتأسيس قوة عسكرية للتدخل السريع لحل اي نزاعات قد تنشب في اوروبا مستقبلا ولكن الغلبة كانت في النهاية للولايات المتحدة الامريكية والتي استطاعت ان تقنع الدول الاوروبية من ان استراتيجية الحلف الجديدة الهدف منها احتواء النزاعات الدولية مستقبلا. ولكن الحقيقة تعرفها دول الاتحاد الاوروبي وهي ان الولايات المتحدة الامريكية لا يمكن لها ان تسمح بظهور قوة مستقلة تنافسها في منطقة حيوية بالنسبة اليها واكثر من ذلك كله ان هذه المنطقة احتوتها الولايات المتحدة الامريكية لمدة طويلة من الخطر الشيوعي السابق فكيف لها تسمح اليوم لدولها من ان يتحركوا من دون مراقبتها المباشرة؟ ولكن لماذا ترغب دول الاتحاد الاوروبي التحرك خارج المظلة الامريكية؟ ان الجواب على التساؤل نقرأه في تصريح الرئيس الفرنسي جاك شيراك المتشبع بالطروحات الديجولية فقد طالب الدول الاوروبية بالاسراع في تجسيد الحلم الاوروبي في ان يكون لاوروبا كيان موحد يمتلك السيادة ولن يكون خاضعا لاية قوة دولية او يعمل تحت امرة اي حلف كان خاصة ان الواقع الدولي الجديد يشهد تحولات وتغيرات ورهانات تستلزم على الدول الاوروبية مواجهتها ككتلة موحدة منها رهانات داخلية كمشكلات الهجرة وارتفاع نسب البطالة والتخوف من ظاهرة الارهاب الذي اجتاح بعض دول جنوب حوض البحر الابيض المتوسط والذي من المحتمل ان يمتد الى الدول الاوروبية ويهدد استقرارها الامني الداخلي اذا لم يجر التعامل معه بحزم وصرامة لذلك طالبت دول الاتحاد الاوروبي باتخاذ تدابير امنية بتأسيس قوة للتدخل السريع لمواجهة مثل هذه التهديدات الامنية القادمة من الجنوب وتوصلت الى تحقيق تقدم ملموس في هذا المجال. خلال المؤتمر الاوروبي الاخير. الا ان الحلم الاوروبي الذي لم يتجسد بعد بالنسبة لاوروبا الموحدة وبخاصة الدول الفاعلة كفرنسا هو اعادة احياء شخصية اوروبا الدولية من خلال لعب الدور الدولي الفاعل في الحياة الدولية ففرنسا او بريطانيا يهمها كثيرا ان تعود هيبتها الدولية التي افتقدتها منذ عقود فقد اصبح دورهما مهمشا اليوم كليا ولا يحسب لهما اي حساب في الحياة الدولية الراهنة بل اكثر من ذلك كله فقد تراجع مركزهما في سلم القوة الدولية بينما صعدت قوى دولية جديدة كالصين واليابان ودول جنوب شرق اسيا مثلا وتفوقت هذه الدول في تأثيرها الدولي على اوروبا كلها فمثل هذه المعطيات الجديدة تحسب لها اوروبا الف حساب اليوم وهي جد متخوفة من المستقبل الذي اصبح مظلما بالنسبة اليها خاصة ان هذا التخوف لا يلازمها وحدها بل انه يلازم كذلك القوى العظمى كالولايات المتحدة الامريكية ذلك ان تحولات العالم المتسارع شديدة التداخل والتعقيد وليس من السهولة على اي دولة او قوة ان تتكيف معها بسهولة وأكثر من ذلك كله ان الوقاع الدولي يعطي دلالات واضحة للدول الغير قادرة على التكيف معه انها ستنقرض من عالم الدول في المستقبل وهذا ما تتخوف منه اوروبا من انها قد تنصهر في الليبرالية الامريكية مستقبلا وتفقد بذلك ما تبقى لها من شخصيتها والتي ازدادت اهتزازا عندما غيبت من المشاركة في عملية السلام في الشرق الاوسط بين الفلسطينيين والاسرائيليين فأوروبا لم يعد لها اية شخصية دولية في عالم اليوم ولا تمتلك القدرة على التحرك ولعب الادوار الدولية والولايات المتحدة راضية على الاداء المحتشم الذي تؤديه اوروبا في الحياة الدولية ما دام هذا الاداء لا يمس مصالحها المباشرة فكم من مرة حاولت فيها بعض الدول الاوروبية ان يكون لها دور ولو ثانوي في ما يسمى بمسار السلام في الشرق الاوسط الا ان امريكا تعمل على افشال جهودها. ويلاحظ ان التحركات الاوروبية الاخيرة التي اعقبت القمة الاوروبية تصب في اتجاه تفعيل المسار الوحدوي الاوروبي نحو تحقيق المزيد من الفاعلية لأوروبا الموحدة وبالتالي تحقيق نوع من الاستقلالية الذاتية عن الخارج وتمثل رغبة اوروبا في تأسيس قوة التدخل السريع احدى الخطوات التي تصب في هذا الاتجاه ونجاح هذه الخطوة سيعزز من موقف اوروبا نحو المطالبة بمزيد من الاستقلالية عن المظلة الامريكية. باحث في العلاقات الدولية