رسميا.. ينتهي اليوم القرن العشرون صحيح أن الاحتفالات الصاخبة بهذه المناسبة قد جرت قبل عام, ولكن ذلك لم يكن إلا محاولة لاستغلال سحر الرقم 2000 وسهولة تسويقه, وهو ما حدث بالفعل. الآن تسدل الستار على القرن (الماضي) بعد عام من الاحتفال, جرت خلاله أحداث كثيرة, ربما يكون التأمل فيها ضروريا لنعرف أين يقف العالم العربي, وهل سيكون لنا مكان في القرن الجديد؟! وبالطبع.. ليس هذا مجال الحديث عن (إنجازات) حقيقية أو زائفة يزخر بها الإعلام الرسمي في كل الدول العربية, ولكنها لحظة لمواجهة الحقيقة. وبعيدا عن التفاصيل سوف نكتفي فقط بالوقوف عند لحظة الختام. اللحظة التي نودع فيها القرن العشرين بكل ما فيه, لنجد أنفسنا في مواجهة القرن المقبل ومعه التساؤل المشروع: إلى أين.. وهل نحن قادرون على مواجهة التحديات المصيرية؟! هانحن نودع قرنا طويلا قضينا نصفه نقاتل من أجل التحرير والاستقلال, وقضينا نصفه الآخر في معركة طويلة شنها أعداؤنا لاستنزاف كل قدراتنا على التنمية والنهوض. بدأنا القرن ونحن نبحث عن هويتنا الضائعة, وكاد القرن ينتهي وبعضنا يحمد الله على موت خرافة اسمها العروبة, لولا رحمة الله التي فجرت في الأمة كل طاقاتها على الحياة والمقاومة, لتكون (الانتفاضة) هي جسر عودة الجميع إلى عروبتهم المظلومة, وبرهانا على فشل الرهان على موت الأمة. صحيح أننا عانينا الكثير من الاخفاقات, وتلقينا الكثير من الهزائم. ولكن الهزيمة الكبرى كانت أن نلقي السلاح, ونتخلى عن هويتنا, ونقبل أن نعيش أصفارا في منطقة يتحكم فيها غيرنا, ويسيطر على مصائرنا أعداء لا يرون فينا إلا بئرا للبترول, وسوقا للبضائع, وأصواتا تقول ولا تفعل. كثيرة هي الهزائم التي تلقيناها, والأحلام التي أضعناها. كنا نحلم بالدولة العربية الكبرى. فتفرقنا أشتاتا. كنا نحلم بأن نكون القوة السادسة في العالم.. فإذا بنا على هامش الدنيا.. كنا نحلم بأن نقيم مجتمع الحرية والعدل.. وما زلنا حتى الآن نكتفي بالحلم . كنا نتصور أن الكثير من الأسئلة قد حسمناها, فإذا بنا ننهي القرن ونحن نواجه نفس الأسئلة عن الهوية والطريق, وعن الأصالة والتجديد, وعن مكانة المرأة وكرامة المواطن وعن الشورى والديمقراطية. كنا نتحدث عن الوحدة الاقتصادية.. وهانحن لا نعرف كيف نتفق على تخفيض الجمارك على السلع العربية. وكنا نتحدث عن صناعة عربية متفوقة.. وما زلنا نستورد كل شئ من الخارج. وكنا نأمل في أن نحسن استغلال ما نملكه من بشر وثروة. فإذا بالقرن ينتهي ونصف العالم العربي يعاني من المجاعة , والثروة يجري إنفاقها في سلاح لا يتوجه للعدو, والخليج يجري استنزافه, والعراق يجري تدميره, والحصار مضروب على ليبيا والسودان, والجزائر يذبح فيها الأطفال والنساء باسم الاسلام المفترى عليه, ومصر يراد لها أن تنكفئ على مشاكلها الداخلية. والمطلوب من العالم العربي أن يعلن قبول الهزيمة ويرفع راية الاستسلام دون قيد أو شرط. كثيرة هي الهزائم التي تلقيناها, والأحلام التي أضعناها, لكن ها هو عام ختام القرن يثبت أننا قادرون على الحياة, وأننا ما زلنا نملك القدرة على أن نفاجئ أنفسها قبل أن نفاجئ العالم بهذا الإصرار على رفض الهزيمة, وعلى استمرار المقاومة, وعلى قبول التحدي. هكذا كان عام نهاية القرن هو عام المقاومة.. ورغم كل شئ, فالمشهد الختامي للعام يختلف شكلا وموضوعا عن مشهد البداية الذي كانت تحيط به علامات اليأس ودلائل الإخفاق. بدأنا العام والشعب العربي خاصة في مصر والأردن يخوض معركة التطبيع بضراوة, وها نحن ننهيه ونحن نخوض معركة إحياء المقاطعة العربية لكل ما هو اسرائيلي ولكل ما يمكن من السلع الأمريكية. بدأنا العام ونحن نبحث عن نقطة ضوء نعبر بها الظلام الدامس الذي يلف مسيرتنا, وها نحن ننهي العام ونحن نواجه محاولات شرسة لإطفاء هذا النور (نور المقاومة) الذي يضيء كل الساحة العربية.. فيكشف أعداء الأمة , ويفجر طاقات الحياة التي كادت تخبو في الجسد العربي. بدأنا العام مستضعفين فإذا بأضعف الحلقات على خط المواجهة مع العدو الصهيوني تفجر المفاجأة, وتجبر العدو على الاعتراف بالهزيمة الذليلة والخروج المهين من جنوب لبنان. وكان أعظم ما في الدرس اللبناني أن أبطاله لم يدعّوا أنهم قد حققوا المعجزات, بل إنهم تمسكوا بمنطقهم البسيط الواضح بأن هذه هي النهاية الطبيعية لأي عدو ينتهك حرمة الأرض العربية إذا واجهته المقاومة الحقيقية لأصحاب الأرض وأصحاب الحق. سقطت الهالة التي حاولت اسرائيل أن تحيط بها جيشها, ولم تكتف المقاومة اللبنانية بأن تلحق به الهزيمة, بل ألحقت به المهانة والإذلال, ولا تزال تفعل نفس الشئ به بعد انسحابه الذليل بأسر جنوده في مزارع شبعا, وبفرض شروطها عليه, وبالإصرار على أنه لا سلام إلا بتحرير كل شبر من الأرض وعودة كل حق سليب. انتصار المقاومة في لبنان قلب كل الموازين. وقدم للأمة ما كانت تحتاجه في هذه اللحظات المصيرية. قدم الدليل على قدرة الأمة على هزيمة العدو, وأعاد الثقة بالنفس الى الملايين التي طال انتظارها منذ حرب أكتوبر لنصر يوقف مسلسل التنازلات العربية, ويعيد التوازن المفقود مع العدو, ويبرز الفارق بين مسيرة المقاومة الوطنية اللبنانية المنتصرة, ومسيرة (سلام الشجعان) التي تم اعتمادها في أوسلو, والتي أدخلت النضال الفلسطيني في سراديب المناورات الاسرائيلية والتواطؤ الأمريكي حتى انتهى الأمر بمهزلة كامب ديفيد الثانية والحل النهائي الذي يراد فرضه, والذي لا يعني إلا تصفية القضية الفلسطينية تماما مقابل حل مهين ودويلة كاريكاتورية لعرفات, وضياع للقدس وحقوق اللاجئين, وبقاء للمستوطنات في الضفة, وبقاء للمسجد الأقصى في الأسر الصهيوني. كان لبنان يحصد ثمار انتصار ارادة المقاومة على كل الضغوط والمناورات والمؤامرات, وكان الفلسطينيون يدفعون الثمن الفادح لإلقاء السلاح قبل الأوان وتجريم المقاومة وتخوين الشهداء واعتبار الكفاح المسلح إرهابا لا مكان له في مسيرة سلام الشجعان التي لم تحقق شيئا إلا ضمان أمن اسرائيل واعطائها الفرصة لفرض شروطها وانتزاع التنازلات من المفاوض الفلسطيني الذي فرطت قيادته في أوراقها بلا ثمن. كان الدرس واضحا, وكان انتصار المقاومة في لبنان قد قلب الموازين, ورغم كل الأحاديث عن اختلاف الظروف واختلال الإمكانيات, ورغم محاولات حصار آثار الهزيمة الاسرائيلية في جنوب لبنان, ومحاولات خنق المقاومة الفلسطينية وإجبار السلطة الفلسطينية على (التعاون الأمني) مع أجهزة المخابرات الأمريكية والاسرائيلية لهذا الهدف.. رغم كل ذلك فقد اندلعت الشرارة المقدسة مرة أخرى, وانفجر البركان في ساحات المسجد الأقصى, وربما كانت زيارة السفاح شارون للمسجد هي المناسبة التي حركت بركان الغضب, ولكن هذا البركان كان سينفجر في كل حال بعد أن رأى الحصاد المر لاتفاقات أوسلو وتوابعها, وبعد أن أدرك المصير الذي ينتظره في ظل الحل الاسرائيلي الأمريكي الذي لم تستطع السلطة الفلسطينية رغم إدمانها على تقديم التنازلات أن توافق عليه في كامب ديفيد الثانية. وربما كان البعض يخطط لمجرد حركة احتجاج تظهر للعالم (وللراعي الأمريكي خصوصا) أن الحل المقترح لقضية القدس والإصرار الإسرائيلي والموافقة الأمريكية على بقاء المسجد الأقصى تحت السيطرة الصهيونية هو أمر لا يمكن قبوله ولا يستطيع أحد فرضه ولا يقوى عرفات أو غيره على التوقيع عليه. لكن حركة الاحتجاج تحولت الى انتفاضة, والانتفاضة فرضت واقعا جديدا, وخلقت حقائق لم يكن ممكنا تجاهلها.. ليس فقط على الأرض الفلسطينية, بل في كل أنحاء الوطن العربي, وبعدها في العالم كله رغم حملات التزييف والخداع. في فلسطين.. فرضت الانتفاضة الوحدة الوطنية على الجميع.. وكانت صواريخ الدبابات والطائرات الاسرائيلية التي لم تفرق بين فلسطيني وآخر وفقا لانتماءاتهم السياسية, عاملا حاسما في فرض هذه الوحدة. لقد انكشفت الحقيقة, وانعدلت الموازين, حين عادت القضية كما كانت.. قضية أرض محتلة, وعدو مغتصب, وشعب مجاهد يكافح لتحرير الأرض واستعادة الكرامة. وفي الوطن العربي.. اندفع بركان الغضب, ليس فقط لأن المقدسات قد أهينت, وإنما أيضا لأن الوجه القبيح للعدو الصهيوني قد عاد للظهور , بعد أن فشل بكل محاولات تجميل له من كامب ديفيد الأولى الى كامب ديفيد الثانية.. مرورا بمدريد وأوسلو واتفاق وادي عربة وملحقات أوسلو في أمريكا أو شرم الشيخ. عاد الوجه القبيح لاسرائيل بعد أن زالت مساحيق التجميل, وظهر باراك مثل نتانياهو, كلهم قتلة, وكلهم محتالون, وكلهم متعصبون لا يفهمون إلا لغة القوة, ولا تردعهم إلا روح الاستشهاد. وفي العالم.. عاد الإدراك بأن هناك أمة تدافع عن حقوقها, وشعبا فلسطينيا تم تشريده واغتصاب وطنه, وصهيونية تمارس في نهاية القرن ما مارسته النازية في الأربعينات وتتفوق عليها, وقوة عظمى تنسى كل المبادئ التي يفترض أنها تؤمن بها حينما يتعلق الأمر بالصراع بين العرب والصهيونية. وتحولت الانتفاضة الى حركة بعث جديدة لأفضل ما عند الأمة العربية.. نضال في داخل الأرض المحتلة امتد الى عرب ,48 وتضامن عربي فرضه الشارع الذي امتلك زمام المبادرة, وقمة عربية كان انعقادها أمرا مستحيلا قبل الانتفاضة بسبب الخلافات وتعليمات واشنطن, وقمة إسلامية استطاعت رغم الضغوط الأمريكية العاتية أن تنتزع موقفا داعما للانتفاضة وأهدافها. وتبلور كل ذلك في موقف جديد لجماهير شعبنا العربي الفلسطيني يرفض الاستمرار في لعبة المفاوضات العبثية, ويصر على أن هدف هذه الانتفاضة ليس تحسين الشروط المرفوضة في كامب ديفيد, بل العودة الى الشرعية الدولية وتطبيق قراراتها, والإصرار على بقاء الانتفاضة حتى تحقق أهدافها في التحرير والاستقلال. وكان هذا الموقف الجديد علامة خطر للكثير من القوى. اسرائيل رأت فيه عودة للمقاومة وتهديد لأمنها وضرب لكل أحلامها في السيطرة, وتكرار لدرس لبنان.. وما أقساه على الذاكرة الاسرائيلية. وأمريكا رأت فيه انهيارا لمشروعها الذي تفرض فيه الخريطة الجديدة للمنطقة, وبعثا جديدا للروح العربية, وخطرا على حليفها الرئيسي في المنطقة, وتهديدا للمصالح الأمريكية التي بدأت تتعرض لغضب الجماهير العربية المطالبة بمقاطعة العدو ومن يسانده في عدوانه. وبعض النظم العربية كانت وما زالت تخشى من أن تعود الكلمة للجماهير, وأن تفرض هذه الجماهير كلمتها, وكانت تخشى من عواقب تحدي الإرادة الأمريكية وعداء الهيمنة الصهيونية. وكان لابد أن تتعرض الانتفاضة لحرب مريرة على مختلف الجبهات. في الداخل.. مارست اسرائيل أبشع صنوف العدوان, وحاصرت الفلسطينيين اقتصاديا, واستمرت في التصعيد العسكري بكل وحشية خوفا من أن تتحول الانتفاضة الى مقاومة مسلحة والى حرب استنزاف لا تقدر عليها اسرائيل مهما كانت موازين القوة في صالحها. وفي نفس الوقت كشفت الأحداث عن غياب الرؤية السياسية في توجيه الانتفاضة, وحرص السلطة الفلسطينية على ضبط الأمور ضمن مخطط استخدام الانتفاضة لتحسين شروط كامب ديفيد فقط,وليس البحث عن بداية حقيقية وجادة لاستعادة الحقوق وتطبيق قرارات الشرعية الدولية. وفي العالم العربي.. ورغم موجات التأييد الشعبية للانتفاضة, وقرارات القمة, فإن الدعم العربي ما زال لا يجد طريقه للمجاهدين الذين يعيشون في أصعب الظروف ويخوضون معركة الكرامة العربية. وفي الخارج.. قادت أمريكا حملة مساندة اسرائيل التي تتعرض لـ (عدوان)!! الشعب الفلسطيني الذي لا يطلب إلا تحرير الأرض واستعادة الحقوق.. وفي نفس الوقت تزايدت الضغوط على الفلسطينيين والعرب لتمرير صفقة (كامب ديفيد) بعد إدخال بعض التحسينات التي لا تقدم أو تؤخر في جوهر الحل المطروح. والآن.. والستار يسدل على قرن حافل بالأحداث, يدور السباق المحموم لتمرير (الصفقة) وتصفية القضية الفلسطينية وإهدار حقوق الملايين من اللاجئين وخنق حلم العودة لفلسطين الى الأبد. ولو تمت الصفقة فسنفتح بعدها الأبواب لاستئناف تطبيق المخطط الأمريكي الاسرائيلي. وسيتم إجبار العرب على دفع ثمن (السلام!!) الاسرائيلي المرفوض, وقبول الهيمنة الصهيونية على المنطقة, وسيعود سباق الهرولة العربية الى تل أبيب, وستصبح الدويلة الفلسطينية الموعودة جسر اسرائيل الى العالم العربي بدلا من أن تكون جسر العودة الى الوطن السليب. وهذا هو منظر الختام العربي في القرن العشرين. الجسد العليل يستنفر كل طاقاته ليفجر المقاومة التي يمكن أن تفتح الباب لتاريخ عربي جديد. والعدو الاسرائيلي يضرب بوحشية, وأمريكا تضغط لفرض الحل الاسرائيلي, والقيادة الفلسطينية تفاوض على حل يهدر حقوق الفلسطينيين ويعلن إنهاء الصراع مع العدو الاسرائيلي نظير دويلة لا طاقة لها على الحياة أو النهوض. والعالم العربي في مفترق الطرق.. إما قبول استسلام الخائفين, وإما المقاومة التي تأتي بالسلام الحقيقي والحقوق المشروعة مهما طال الزمن ومهما كانت التضحيات. وقد يبدو طريق الاستسلام هو الأسهل, ولكن الشعوب التي تسلكه كانت على الدوام تجد نفسها خارج التاريخ.. فهل نتذكر وهل نعتبر؟ وهل ندرك أننا لن نكون قادرين على الحياة والإبداع في العالم الجديد إلا إذا استعدنا أنفسنا, وأننا لن نستعيد أنفسنا إلا بفعل المقاومة على الجبهات؟! نائب رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم المصرية