تنعقد قمة التعاون الخليجية التي تحتضنها البحرين هذه الايام والتي افتتحت أول جلساتها امس السبت في ظروف غير عادية ابدا تحيط بمنطقة دول الخليج وتلف منطقة الشرق الاوسط بحزام واسع من الاشكاليات السياسية والاقتصادية والأمنية, وكذلك الاجتماعية المتصلة بطبيعة التراكيب الداخلية لمجتمعات المنطقة المختلة سكانيا بسبب العمالة الاجنبية ذات الخطر الامني الكبير. تنعقد قمة التعاون في البحرين في آخر يومين من عام 2000, وعلى اجندتها: الوضع في الاراضي الفلسطينية, والملف العراقي, والتعرفة الجمركية والوضع العسكري فيما يتعلق بتشكيل قوة عسكرية مشتركة بديلة لقوات درع الجزيرة. اضافة للملف الشائك بين الامارات وطهران: الجزر الثلاث المحتلة والتي فشلت اللجنة الثلاثية المشكلة منذ العام الماضي في اقناع طهران باستقبالها للتشاور وبحث المسألة بالطرق الدبلوماسية. هذا هو جدول اعمال القمة التي ستنعقد وستدور جلساتها العلنية والمغلقة في حالة من الترقب العام المشوبة بكثير من اليأس وقليل من الأمل, بسبب ما عهدناه من حالة التكرار العجيب لترتيبات القمة واجتماعاتها وفي النهاية بياناتها الختامية, فلمدة 20 عاما, وعلى امتداد عشرين قمة خليجية, لم يستطع اي مواطن خليجي ان يقبض بين يديه على انجاز سياسي او اقتصادي او أمني يتناسب ومجمل الظروف الصعبة والتطورات المخيفة التي تمر بها هذه المنطقة الحساسة من العالم ما جعله عديم الاهتمام بالقمة وبياناتها. بل على العكس, كلما زادت الامور تعقيدا, وكلما فاجأتنا الترتيبات الدولية والاقليمية بأوضاع تصل حد تهديد الوجود, كلما وجدنا ان اجتماعات القمة لا تزيد على تشكيل لجنة أو لجنتين لمتابعة خلاف معين بين دول مجلس القمة اضافة لبيان ختامي لا يختلف عن ذلك الذي أعلن في السنة الماضية أو الذي أعلن منذ عشر سنوات!! مع ان منطقة الخليج تحديدا شهدت خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات أوضاعا مخيفة في درجة خطورتها وتهديداتها وصلت إلى حد انهيار أسعار النفط إلى حد الـ 10 دولارات للبرميل الواحد, اضافة لارتفاع سقف المديونيات الضخمة التي ترزح تحت وطأتها حكومات المنطقة نتيجة لذلك الانفاق الخيالي الذي فرض عليها ابان مؤامرة غزو العراق للكويت عام 1990. اليوم المنطقة كلها تعيش تحت ظلال ما أفرزته انتفاضة الأقصى من نتائج لابد أن تكون واضحة لأصحاب القمة لعل أهمها: تأثير الرأي العام في صناعة القرار الذي تلمسناه جميعا في أعقاب انتفاضة الشارع العربي والدعوة للقمة الطارئة واستمرار ضغط هذا العامل على مجمل قرارات التقارب العربي الاسرائيلي وتخوف الكثير من دول الخليج تحديدا من تفاقم هذا الضغط ما حدا بالدول صاحبة المكاتب التجارية والدبلوماسية إلى اغلاقها تهدئة للمشاعر مع تجميد عملية (التطبيع) التي كانت تسير على قدم وساق في الدهاليز الخلفية! اضافة لذلك هناك حرب شرسة حول البترول تخوضها الولايات المتحدة والغرب واليابان ضد الدول المصدرة للنفط بغية تحجيم هذا العامل الضاغط والمهم وصولا لالغاء أثره حتى لا تتكرر مأساة 1973 ابان قطع البترول عن الغرب تعضيدا لانتصارات اكتوبر المجيدة, هذا القطع الذي جعل عراب السياسة الأمريكية يومها (هنري كيسنجر) يقول: (سوف نجعلكم تدفعون الثمن غاليا, وسوف نجعلكم تشربون نفطكم كالماء)!! هذا الأمر يحتاج وقفة حاسمة قبل أن تلتهمنا معا اتفاقية التجارة الحرة (الجات) فنصبح كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى!! أما مشكلة المشاكل: قضية الامارات مع إيران فتحتاج حلا حازما وحاسما تقتنع فيه ايران بالحق الاماراتي اعتمادا على علاقات الجوار أو تلجأ لمحكمة العدل الدولية احقاقا للحق بشكل موضوعي محايد, ولكي تسير قضية الجزر في مسارها القانوني الطبيعي فعلى اللجنة الثلاثية التي فشلت حتى الآن في عملها أن تفعل آليات تحركها بناء على مصلحة الامارات أولا صاحبة الحق, أما ان يتم التحرك حسب حساسية المصالح التي تربط دول أعضاء اللجنة مع ايران, فإن الأمر لن يحسم وستنتصر المصالح الثنائية على حساب حق الامارات في جزرها! هذه قضية أخرى تحتاج إلى مكاشفة حتى لا نظل ندور في الفراغ طويلا.