عتّمت المماطلات الاجرائية الاخيرة في عملية انتخاب الرئيس الامريكي على حقائق كثيرة لم تنل حقها من الاهتمام, حيث طغت على بال المحللين مسائل فرز الاصوات, والعد اليدوي, والمراقبة والمرافعات القضائية وغير ذلك من التفاصيل, التي ظلت تراوح محلها لأكثر من شهر بعد الموعد الاصلي المفروض لاعلان نتيجة الانتخابات. ومن الحقائق الجديدة التي لم تسلط عليها الاضواء بعد, مسألة مشاركة احدى الاقليات الامريكية بنشاط كامل, ولأول مرة في تاريخها, في العملية الانتخابية, لهذا العام, وهي الاقلية العربية الاسلامية, لهذا العام, التي ظلت تنأى بنفسها عن ذلك المعترك لأكثر من نصف قرن, اي منذ تكامل لها قوام اقتراعي معقول يعطيها بعض النفوذ السياسي. وقد ظلت مسببات عديدة تؤدي الى ذلك التباعد بين عرب امريكا ومسلميها وبين العمل السياسي, ولكن اهم تلك المسببات, كان هو الشعور العام السائد وسط افراد تلك الطائفة, بأن مشاركتهم في العمل السياسي والتصويت في الانتخابات, امر لا يقدم ولا يؤخر ومن ثم فهو من قبيل تحصيل الحاصل وبالتالي لا يستحق ان يبذلوا فيه اي عناء. هذا العام تنامى الشعور وسط هؤلاء بأن اشتراكهم او عدم اشتراكهم في التصويت امر قد يقدم وقد يؤخر كثيرا في اوضاعهم, وفي الاوضاع السياسية لأوطانهم الاصلية, التي نزحوا منها والتي لا تزال تشدهم اليها روابط قومية وروحية وثيقة. شعر القلائل من هؤلاء, وهم الذين كانوا يمارسون عملية التصويت من قبل, وكانوا يصوتون اصلا للحزب الديمقراطي, باعتباره حزب الاقليات بأنهم قد لدغوا لدغة مؤذية حينما طرح الحزب الديمقراطي مرشحه لنائب الرئيس, من طائفة اشتهرت بعدائها التاريخي للعرب والمسلمين, اما الأغلبية التي لم تكن تصوت من قبل فقد ادركت ان تماديها في التنائي عن التصويت يمثل سلبية وعجزا معيبا عن التصدي لتحد خطير. وهكذا تزايد الاحساس بأن الاشتراك في التصويت امر يتوجب على الجميع ومع ذلك وكما هو متوقع فإن الجميع لم ينهضوا لحمل كل العبء واداء ذلك الواجب, ولكن النتيجة كانت مشجعة على لك حال, بل كانت اكبر بكثير من المتوقع, اذ زاد عدد المصوتين من العرب, والمسلمين بنسبة 36% عنها في الانتخابات الرئاسية السابقة, وهذه زيادة مرموقة على كل حال, وجديرة بمستوى الخطر الذي تعدى هؤلاء لاحباطه, وازاحته عن الطريق. وهي زيادة ينبغي ان يحافظ عليها الوجود العربي الاسلامي بأمريكا وينميها ولا يسمح بتراجعها, حتى ولو تراجع الخطر في مقبل الاعوام. واللافت للنظر حقا ان الاستجابة لذلك التحدي شملت انجازا مهما هو تراجع نسبة من صوتوا للمرشحين الرئاسيين الديمقراطيين هذا العام من 24% في سبتمبر الماضي الى 8% فقط عندما تم الاقتراع في السادس من نوفمبر, اما المذهل والمثير حقا فهو الانحياز الكبير للمجاميع العربية والاسلامية الامريكية للتصويت الى جانب بوش الابن, حيث صوت له من هؤلاء 72%, بينما صوت 19% لرالف نادر, وهؤلاء انما صوتوا لنادر, لعدالة طرحه السياسي, ونزاهة مواقفه السابقة, اضافة الى اصله العرقي العربي, ولولا ذلك لكانت اصواتهم قد انضافت في الغالب الى رصيد بوش الابن. نحو كتلة انتخابية واحدة وهكذا يمكن ان يقال ان عرب ومسلمي امريكا هم في طريقهم لأن يصوتوا ككتلة انتخابية واحدة, وهذا هو الاهم, لأن تشتت اصواتهم بين الحزبين يفقدهما اي تأثير حقيقي. اما حينما تأتي الاصوات لصالح حزب واحد, دون الآخر, فهذا هو اساس القوة والتأثير, انها تمثل حينذاك العامل الترجيحي المطلوب عندما تتقارب الاصوات ويفزع كل مرشح لاستجداء ادنى عدد من الاصوات, ليدعم به موقفه. وبهذا يمكن ان نفترض ان اصوات العرب الامريكيين في ولاية ميتشجن كانت وراء فوز بوش الابن بالكلية الانتخابية لتلك الولاية, التي كانت في الانتخابات السابقة من نصيب الديمقراطيين, ففي تلك الولاية يوجد اكثر من نصف مليون عربي, وكانوا يصوتون تقليديا للديمقراطيين, فاذا سحبوا اصواتهم عنهم, او حولوها لصالح الجمهوريين فلا محالة حينئذ ان ينهزم الديمقراطيين, وبهذا يمكن ان يقال ان اصوات ميتشجن كانت هدية العرب الامريكيين لبوش الابن. اما بالنسبة لفلوريدا فمن السابق لأوانه ان نرسي افتراضا كهذا فلنترك ذلك للباحثين الاكاديميين, ولكن يمكن اطلاق ملاحظة عابرة, وهي ان فلوريدا موطن تركز عربي كثيف لاسيما في حواضرها الكبرى كتامبا واورلاندو وميامي, فاذا صوّت نحو70% من هؤلاء لصالح بوش, وكان فارق الفوز لصالحه صغيرا, فإن اي دراسة لتبين اثر الاصوات العربية في حسم نتيجة الكلية الانتخابية لتلك الولاية, ستكون دراسة ذات مغزى كبير, ومثل تلك الدراسة, ان لم ينجزها الباحثون الاكاديميون, فينتظر ان يقوم الناشطون العرب, ومراكز ضغطهم الناشئة باتمامها وعرض نتائجها ايا كانت على الوسط السياسي. البرنامج السياسي المرن وبجانب النجاح الكبير المتمثل في تصويت العرب والمسلمين ككتلة واحدة, فيمكن النظر الى جانب توفيقي اخر, وهو ان تلك الكتلة ظهرت لها قيادتها التوجيهية الواضحة, فقد افادت نسبة 94% من المصوتين بأنها قد عرفت بتبني اللوبي الاسلامي للمرشح بوش الابن, وافادت نسبة 85% من هؤلاء بأنها قد استجابت لمناشدة ذلك اللوبي لها لتصويت لبوش الابن. ولكن القول بوجود قيادة واضحة لذلك التكتل, لا يعني انها قيادة متبلورة تماما, او مؤسسة بالكامل, انها قيادة ابتدائية جدا, ومن الخير ان تتبلور وتتأسس على هدى بدايتها تلك, انطلاقا من المرونة والعموميات بعيدا عن كل الحساسيات التي تسبب الشروخ والتصدعات في اوساط عرب ومسلمي امريكا, ولحين طويل ينبغي التركيز على البرنامج المرن ذي النقطة الواحدة في شئون السياسة الخارجية: وهي نقطة القدس, التي تجمع ولا تفرق, ولا يختلف حولها اثنان. وبالفعل فقد كانت هي النقطة التي وحدت الجهود حيث قام قادة المؤسسات العربية والاسلامية على ضوئها بتقديم افكار المرشحين. وحينما تقابل هؤلاء مع بوش الابن في اوستن بتكساس, ابدى مرونة حولها ووعد باعادة دراسته لموضوعها من جديد, كما اعطى دعما لبعض مطالب الجاليات العربية والاسلامية في شئون السياسة الداخلية حيث اعلن اعتراضه على قانون الادلة السرية الذي تستخدمه ضدهم في تمييز واضح دوائر الهجرة والترحيل الفيدرالية, اما آل جور فقد ابدى امتعاضه لدى اتصال هؤلاء به, ولم يعط اي دعم لمطالبهم بشأن القدس, والقضايا الداخلية, الاخرى, وربما كان محقاً في يأسه من اصواتهم, او ربما كان مستخفا بوزنهم وقدرهم الانتخابي, معتمدا على اصوات يهود دونهم. دروس مستفادة وهكذا فقد ضيّع آل جور بحماقته الدعم العربي الاسلامي التاريخي لحزبه, وكرر ثلاثة دروس, ما كان احراه ان يستفيد منها جميعا, لولا ان استبد به الخيلاء والكبر, فقد قام مرشح الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية نيوجيرسي قبل اربعة اعوام باستفزاز المسلمين, عندما رفض اي تعاون معهم, ارضاء ليهود الولاية الكثيرين, فما كان من هؤلاء الا ان دعموا المرشح الديمقراطي المناوئ له, روبرت توريتشللي, ففاز بفارق اصوات معدودة, وقام هذا الاخير بتبني قانون اقترحه عليه المسلمون وفاز ذلك القانون بالفعل في البرلمان, اما في ولاية كارولينا الشمالية فقد قام احمق اخر باستفزاز المسلمين, عندما اعلن بدون اي موجب انه اذا فاز في الانتخابات فسيتبنى مشروع قانون بتخفيض المساعدات الامريكية لباكستان, فتصدت له الجالية الباكستانية, بدعم من مسلمي الولاية, في حملة قوية مناوئة اسقطته في الانتخابات. وجاء الدرس الثالث حديثا جدا, وفي نيويورك, معقل الناخبين اليهود, وهو درس معقد على نحو ما, فقد اعلن مسلمو وعرب الولاية عن دعمهم لهيلاري كلينتون في انتخابات مقعد مجلس الشيوخ, ومع ان يهود الولاية قد وقفوا ايضا مع هيلاري, الا ان لها موقفا قديما عادلا طمرته احاديثها الوقتية, اثناء الانتخابات, وهو موقف مؤيد لبعض الحق العربي وكان البيت الابيض قد تبرأ منه عندما اعلنته قبل سنوات, وقد حفظ لها العرب والمسلمون ذلك كما انهم فوجئوا بمرشح جمهوري ذي عداوة مكشوفة للعرب والمسلمين, حيث قام باستثمار حادث تدمير المدمرة الامريكية (كول) بعدن, في دعايته الانتخابية, مصورا العرب والمسلمين على انهم ارهابيون بطبيعتهم, فقاموا بشجب دعايتهم المغرضة, ووجهوا اصواتهم لدعم منافسته التي هزمته. هذه الدروس الثلاثة لم يستفد منها آل جور فأصبح هو الدرس الرابع وهذه الدروس تكشف كلها عن تنامي التأثير العربي الاسلامي على الانتخابات الامريكية, ويمكن ان تقرأ مع الدروس قصص نجاح عدد كبير من المواطنين العرب الامريكيين في انتخابات الكونجرس لهذا العام حيث فازوا بستة مقاعد فيه احتلها (نك رحال, وراي لحود, وجون الياس, جون سنونو, وكلير جون, وداريل عيسى, كما قامت لجان العمل السياسي للمنظمات العربية بدعم مرشحين لمناصب برلمانية وتنفيذية اشتهروا بتأييدهم للقضايا العربية وقد فاز اكثر من 90% من هؤلاء من اشهرهم نواب الكونجرس (ديفيد بونيور, وجور كونيرز, وتوم ديفيز, وجيسي جاكسون, وسينثيا ماكيني, ودانا اباتشر, ودينيس كوتشينيتسي) وكثير من التنفيذيين الاقل شهرة على المحيط القومي. هذه النجاحات الباهرة هي نجاحات واعدة بلا شك, ومبشر كبير بأن الطريق قد اصبح مفتوحا امام العرب المسلمين للتأثير القوي على السياسة الخارجية الامريكية, بما فيه تحقيق مصالح اوطانهم الاصلية, ولكن ذلك لا يمكن ان يتم (ضربة لازب), وانما بالتدريج, وعبر وقت طويل, وبالبناء الصبور الدؤوب المتراكم على النجاحات الحالية, وان لم يكن للنجاحات الحالية من اثر, الا اقناع عرب ومسلمي امريكا بمدى جدوى مساهمتهم السياسية, وقدرتهم على اثبات وجودهم, والضغط لتحقيق مصالحهم ومصالح اوطانهم, فأكبر بذلك من اثر واعظم! استاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي ـ الولايات المتحدة