كانت ازاحة اداة المقاومة ووضع السلاح, من أبرز المآخذ التي سجلها معارضو صيغة أوسلو وتوابعها ضد المفاوضين الفلسطينيين. قال المعارضون, عن حق وجدارة منطقية, إن مفاوضا ظهره الى الحائط، لا يمكنه تحقيق أهدافه, تلك واحدة من سنن التفاوض عموما بغض النظر عن الأطراف والموضوعات.. وأن النماذج الناجحة لحركات التحرر هي التي التزمت بحكمة المزج الواعي بين العمل الميداني بالمقاومة, المدنية أو المسلحة, بحسب الظروف الموضوعية, وبين حركة التفاوض السياسي بغير تهافت أو استضعاف للذات. وعلى مدار سنوات التفاوض السبع العجاف منذ خريف ,1993 أثبتت الوقائع أن الحالة الفلسطينية لن تكون بدعا من هذا المنطق غير أن مطلب (تسخين المقاومة) لم يكن الوحيد على الأجندة المقترحة البديلة لآلية أوسلو. فقد توالت انتقادات هذه الآلية. كاشفة ما أريد اخفاءه من عيوبها, مثل سخف التعلق بالرعاية الأمريكية المنفردة عمليا للمفاوضات, وغياب دور الأمم المتحدة والموروث القانوني الدولي للقضية الفلسطينية كمرجعية للتفاوض, واستبعاد الطرف الفلسطيني للحد الأدنى للتنسيق مع المسارات التفاوضية العربية الأخرى والمبالغة في استخدام السرية, فضلا عن الاستخفاف بمواثيق منظمة التحرير وأطرها, التي كانت نتاج نضال ممتد حقيقي وليس طوباويا كما تصور الذين نبذوهما ظهريا بلا ثمن معقول. مع إندلاع انتفاضة الأقصى, وفي ضوء تضحياتها الجسام, ثارت آمال عريضة, ربما للمرة الأولى بشكل حقيقي منذ ,1993 باعادة النظر في أسلوب التفاوض الفلسطيني ومنهجيته. لقد باتت لدى الكثيرين قناعة بأن مفاوضي أوسلو لن يسعهم بعد ذلك العودة الى سيرتهم الأولى قبل الانتفاضة. وعزز من هذه القناعة (الطموح) تلك التصريحات والتلميحات التي أبدى فيها بعض المفاوضين القدامى انحيازا لبرنامج المنتفضين.. وكان هذا البرنامج وما زال أقرب الى أجندة معارضي أوسلو ومنتقديها. ورغم الاستبشار بقرب التوحد بين شطري مفاوضي أوسلو ومعارضيهم على لهيب الانتفاضة, فقد ظلت هناك شكوك بشأن ما اذا كان فريق أوسلو قد حسن خياره, وأثر حقا وصدقا الانقلاب على طريقته الأولى, وكان مما يبعث على الريبة هشاشة المطالب التي عرضها هذا الفريق نيابة عن الانتفاضة, كالانسحاب الاسرائيلي الى خطوط 29/,9 والتحقيق الدولي في مسئولية الأحداث, ووقف العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.. وكلها كما نرى, تتعلق بمعالجة العَرض ولا تطال أصل الداء والمرض.. وهو التخلص من الاحتلال بشكل جذري وعاجل وفقا لصيغة تقطع مع مرحلة أوسلو ومراوغاتها, التي أهلكت حقوقا فلسطينية كثيرة, وكادت تمزق وحدة القضية الفلسطينية من جهة وتعزل ما بين القضية وعمقها العربي من جهة أخرى. وعلى سبيل التوفيق بين المترددين غير الواثقين في قدرة الانتفاضة على الاستمرار وصولا الى هدف التحرير, وبين الداعين الى النهوض بالحالة الثورية الجديدة وتحويلها الى (انتفاضة تحرير) عوضا كونها انتفاضة الأقصى , نشأت الدعوة الى الأخذ ببديل وسيط قوامه المزاوجة بين المقاومة والتفاوض. بمعنى أكثر وضوحا, يقول هذا الطرح, أنه اذا كان لابد من التفاوض في كل حال, فليكن بالتوازي والتزامن مع المقاومة, التي تعد الانتفاضة بعضا من تجلياتها. والواقع ان الطرف الفلسطيني لا يتحرك وحيدا, ولا يسعى وحده أيضا الى الأخذ بزمام المبادرة في اطار توجيه الأحداث, هناك اسرائيل وشريكها الأمريكي, اللذان جهدا على مدار الشهور الثلاثة المنصرمة لاعادة المسار الفلسطيني الى منهجية ما قبل الانتفاضة, ولعل جهدهما هذا انصب أساسا في اتجاه منع أي تأثير ايجابي لفورة الانتفاضة على وضعية المفاوض الفلسطيني وطموحاته, لقد أراد بكلمة جامعة, تحويل الانتفاضة الى حدث منبت الصلة بحيثيات التفاوض, وكان من شأن تحقيق هذا الهدف, جعل الانتفاضة بتضحياتها, خسارة صافية للشريك الفلسطيني في المفاوضات, فضلا عن إضعافه في الشارعين الفلسطيني والعربي, والسبيل الى ذلك ببساطة, اعادة هذا الشريك الى قاعات التفاوض, مجردا من سلاح الانتفاضة. الشاهد الآن أن الشريك الفلسطيني عاد بالفعل الى المفاوضات دون أن تتوقف الانتفاضة بحسب المفهوم الاسرائيلي الأمريكي.. فهل يعد ذلك انتصارا لمنهجية المزاوجة بين المقاومة (الانتفاض) والتفاوض؟ في تقديرنا, أنه لا ينبغي التعجل في اعتبار الأمر كذلك أخذا بظاهر الحال, الأقرب للصواب هو التريث الى أن تنجلي صورة ما يجري في جولة واشنطن وما يتعلق بها ويتلوها من اتصالات اقليمية. إن الصدى الحقيقي للانتفاضة المتفاعلة لا ينبع أو يتأتى من استمراريتها فقط, وإنما من استلهام المفاوضين لدلالاتها وكنهها في قاعات التفاوض. وتأسيسا على الخبرة المتراكمة حول التعامل الاسرائيلي, ليس من المستبعد أن يكون قبول اسرائيل باستئناف المفاوضات دون توقف الانتفاضة, قد جاء تنفيذا للتكتيك المشار اليه أعلاه.. وهو عزل الانتفاضة عن المفاوضات. فما الذي يضر الطرف الاسرائيلي إن هو قمع المنتفضين من ناحية, واعاد عروضه القديمة بشأن التسوية ولو في قوارير جديدة من ناحية ثانية؟ بصيغة أخرى, إنه لكي يكون للانتفاضة صدى ايجابي تفاوضيا, فلابد أن يحدث تحول فارق جوهره التزام المفاوض الفلسطيني الكامل بالبرنامج السياسي للمنتفضين, ومقاربة اسرائيلية وأمريكية أكثر تجاوبا مع هذا البرنامج وأكثر ابتعادا من صيغة أوسلو. هذا هو الفيصل في استبصار تأثير الانتفاضة, فإن لم يحدث هذا التحول, فالمعنى أن مرحلة قطافها السياسي لم تحن بعد. * كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة