حددت الانتفاضة الفلسطينية اهدافها منذ ايامها الاولى: فرض انسحاب اسرائيلي شامل متزامن مع نيل استقلال حقيقي في (الضفة الغربية وقطاع غزة) ويتضمن ذلك نيل سيادة حقيقية على القدس العربية وعلى المسجد الاقصى, وتحقيق تواصل ذو سيادة بين الضفة الغربية وغزة, وانهاء للمستعمرات بكل ما تشكله من خطر وتمدد استيطاني, وحلا لقضية اللاجئين يقوم على حق العودة وعلى حق التعويض والتوصل الى صيغة دعم اقتصادية للتنمية تساهم في اعادة بناء البنية التحتية الفلسطينية التي دمرها الاحتلال والعنف الاسرائيلي. هذه هي اهداف الانتفاضة وهي اهداف العرب في دعم الانتفاضة وهذا هو بالوقت نفسه هو هدف المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ومبررها. فيما نرى الآن تناغما بين الهدف السياسي والهدف العسكري, وبين الهدف من التفاوض والهدف من الثورة. لقد غيرت الانتفاضة موازين القوة بين اسرائيل والفلسطينيين. فقد نجحت في تثبيت مبدأ عروبة القدس واسلامية المسجد الاقصى والمسجد الحرام. الانتفاضة جعلت الاسرائيليين يطرحون في اوساطهم السياسية والصحفية لاول مرة منذ عام 1967 امكانية الانسحاب من القدس. بالوقت نفسه كشفت الانتفاضة مدى ضعف وهشاشة الكثير من المستعمرات الاسرائيلية. بل تأكدت اسرائيل ان هذه المستعمرات المعزولة وسط تجمعات سكانية فلسطينية هي مستعمرات ساقطة عسكريا وغير قابلة للبقاء. واستوعبت اسرائيل انها لن تستطيع التحكم بملايين الفلسطينيين سياسيا وامنيا وعسكريا, وانها لا تستطيع ان تحمي جيشها وسط الشارع الفلسطيني. بل اسقطت الانتفاضة الرؤية الاسرائيلية للدولة الفلسطينية والتي تقوم على سيطرة اسرائيلية على المنافذ وتحويل المستعمرات الى مناطق فاصلة بين مدن الضفة الغربية. كما ادت الانتفاضة الى استقالة حكومة باراك, وتحولت الى قوة تفرض نفسها على جدول اعمال الانتخابات الاسرائيلية. كما اكتشفت اسرائيل من خلال الانتفاضة الى ان العالم العربي والاسلامي لن يتعامل معها الى ان تنسحب من الاراضي المحتلة ومن القدس والمسجد الاقصى وتعقد سلاما عادلا وشاملا. ولكن قيمة كل ثورة وكل محاولة لتغيير واقع هي في مدى مقدرتها على اقتناص الفرص وفي مدى مقدرتها على التفاوض حين يجب التفاوض والعودة الى المواجهات حين بجب العودة للمواجهات وممارسة الاثنين معا حين يجب عمل ذلك. الواقعة السياسية اساسية في هذا المنظور. فثورة 1936 ــ 1939 الفلسطينية الشهيرة حررت 80 % من الاراضي الفلسطينية من الاحتلال البريطاني ونجحت في تقليص المشروع الصهيوني قبل قيام دولة اسرائيل بأكثر من العقد. ولكن غياب صيغ تفاوضية تسمح باستثمار التغير وتحويله لمشروع سياسي يجسد دولة وكيانا واستقلالا ساهم في ذلك الوقت في حرمان الفلسطينيين من فرصة تاريخية. بمعنى آخر لا يكفي ان تكون القضية عادلة, بل يجب ان تكون القضية العادلة متجانسة مع منطق العمل السياسي المرتبط بالواقع المحلي والاقليمي والدولي. فالعالم العربي ليس كيانا موحدا, واسرائيل ما زالت تتفوق على مجموع الدول العربية, وللموقف الامريكي سقف وآلية خاصة, والادارة الامريكية الجديدة لن تسعى لتحريك قطار الحل قبل استقرارها وترتيب اولوياتها. ان نجاح او عدم نجاح المفاوضات يبقى غير مضمون النتائج, كما ان تفسير اسرائيل لما سيتفق عليه وطريقة التطبيق قد تفتح المجال لمواجهات كبيرة معها, كما ان اي اتفاق سوف يخضع لمنطق الانتخابات المقبلة في اسرائيل. المسألة المركزية في قبول اسرائيل وباراك بالتحديد لاساسيات الرؤية الفلسطينية مرتبط بمدى وصول اسرائيل لنتيجة مفادها انه لا يوجد حل عسكري للانتفاضة, وان اسرائيل لا تستطيع الاستمرار في التحكم بملايين العرب والمسلمين في فلسطين المحتلة. * استاذ العلوم السياسية جامعة الكويت