لفت نظري عنوان زاوية للزميل محيي الدين اللاذقاني منشورة في جريدة الشرق الأوسط اللندنية يوم الأربعاء 20/ 12/2000 (جمجمة سورية في باريس) وهذا العنوان كفيل بأن يدفع الآلاف إلى قراءته, إذ يتحدث، من خلاله اللاذقاني عن وجود جمجمة البطل السوري سليمان الحلبي في متحف باريسي معروضة كنموذج لجمجمة مجرم! ومعروف لنا جميعاً ان البطل السوري سليمان الحلبي (1777ـ 1800م) غادر مسقط رأسه حلب إلى القاهرة ليدرس في جامعة الأزهر وزار القدس وغزة وقابل قادة من الجيش العثماني وعاهدهم على ان يقتل كليبر حاكم مصر بعد عودة بونابرت إلى فرنسا, وقد قضى سليمان الحلبي عدة أيام يتعقب كليبر حتى ظفر به يتمشى مع فرنسي آخر فطعنه عدة طعنات مات كليبر على أثرها, وقبض على البطل سليمان الحلبي وحوكم أمام محكمة عسكرية فرنسية فقضت عليه بالموت صلبا على الخازوق بعد إحراق يده اليمنى, ثم يترك طعماً للعقبان, وقد نفذ فيه الحكم يوم 17 يونيو 1800م, وعلقت إلى جانبه رؤوس ثلاثة من أبرز علماء الأزهر, ومازال الخنجر الذي طعن به كليبر محفوظا في مدينة كركاسون بفرنسا. هذه هي المعلومات التاريخية المتوفرة عن البطل سليمان الحلبي والتي شبت أجيال عربية كثيرة على معرفتها, وتدرس قصته في المناهج العربية كواحدة من المآثر والبطولات التي يزخر بها التاريخ ضد المستعمر, لكن ان تقوم دولة كفرنسا بعرض جمجمة الحلبي في متحف عام كنموذج لجمجمة مجرم, يدفعنا الآن إلى المطالبة بأن تعيد فرنسا نظرها في كلمة مجرم وتستبدلها بكلمة بطل, لأن كل من دافع عن بلده واستشهد في سبيل ذلك فهو بطل في نظر شعبه وشعوب كثيرة في العالم, وان تحترم فرنسا تاريخ الشعوب ورموزها, وإلا فإن في فرنسا آلاف المجرمين الذين يمكن للألمان ان يعرضوا جماجمهم كمجرمين في المتاحف الألمانية لأنهم قتلوا ألمانا كانوا يحتلون فرنسا ذات يوم! ثم ان هناك آلاف المقابر التي تضم رفات جنود المستعمر في الدول العربية التي كانت خاضعة للاستعمار الأوروبي وفي مدينة حلب مسقط رأس البطل سليمان الحلبي يوجد أكثر من مقبرة لجنود فرنسيين وبريطانيين وألمان بعضها لا يزال قائما إلى يومنا الحاضر , حيث تقوم جهات رسمية بريطانية وغيرها في الخامس من نوفمبر من كل عام بإحياء ذكرى هؤلاء الجنود ضمن احتفال يقام سنويا داخل المقبرة الانجليزية تخليدا لأبطال وطنهم, وذلك ضمن اتفاقيات دولية قدمت خلالها سوريا الأرض هبة لدفن الجنود البريطانيين والفرنسيين والألمان, وهذا يدل على مدى التسامح الذي تعيشه سوريا اسلاميا وعربيا, لأن الدافع الانساني والدين يقود إلى إكرام الموتى وعدم اهانتهم كما فعلت فرنسا (بلد الحريات!) برفات سليمان الحلبي وانتهى بها المطاف إلى عرض جمجمته كمجرم حرب في متاحفها. منذ سنوات نقلت فرنسا (المستعمرة) رفات جنودها من مقبرتهم في حلب إلى فرنسا وقدمت لهم آنذاك الحكومة السورية المساعدة ولم تقف حائلا بين الواجب الانساني والذكرى الأليمة للاستعمار الفرنسي, بل تسامحت في هذه المسألة أملا في بداية صفحة جديدة مع فرنسا (جديدة) التي تحاول طي صفحة دفتر الاستعمار الظالم, الاستعمار الذي ذاقته فرنسا على أيدي الألمان فقررت بعده ان تعيد النظر في سياساتها العسكرية بالخارج, وفعلت لكنها نست أو تناست ان للشعوب حقوقاً وكرامات أهدرتها فرنسا, وها هي اليوم بعرض جمجمة هذا البطل بطريقة مخزية تهدر قيمة انسانية كبيرة, وتضع نفسها في موقف مخجل أمام أحرار العالم وأمام شعبها المناصر للحريات. لقد وصلنا خبر جمجمة سليمان الحلبي, ترى كم من الجماجم لشهداء الثورة الجزائرية التي لم تصلنا اخبارها بعد؟ اسألوا فرنسا, فعند فرنسا الخبر اليقين!