غالباً عندما نتناول العلاقات الأوروبية الإسرائيلية والسمة العامة التي تتسم بها تلك العلاقة, والخلفيات التاريخية التي حكمتها, نسقط من أجندتنا ذلك الماضي بكل ما يحمله من إمتدادات ، وركائز يستند عليهما الحاضر بكل ما نشهده ونعيشه, بداية من الانحياز الكلي لإسرائيل وانتهاء بالدعم اللامتناهي على كل المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية الأمنية, والتي تصب في النهاية إلى تجاهل المصالح العربية المرتكزة أصلاً إلى القوانين والشرائع الدولية المتفق عليها بين كل الأمم على هذه البسيطة, والمعبر عنها في مجموع الهيئات والمؤسسات الدولية بداية من هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وملحقاتهما, وانتهاء بالمؤسسات الإقليمية ذات الشأن والصلة أيضاً..الخ. وهنا رغم أني أحاول الابتعاد عن اجترار التاريخ, إلا أن الأمر يحتاج ولو لبضعة كلمات أو أسطر إلى العودة لتاريخ العلاقة اليهودية المسيحية, التي أنتجت لنا نحن العرب هذا الوليد الأوروبي اللقيط في منطقتنا, كجزء من التعبير عن جملة المشاريع الأوروبية الموجهة باتجاه الشرق عموماً.فمنذ أن بزغت فكرة الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر, وسيطرة الكنيسة البروتستانتية على الحياة بشموليتها العامة والخاصة في أوروبا, والتي جاءت بمبادئ مغايرة للمبادئ الكاثوليكية, بدأنا نشهد حقبة جديدة من جملة العلائق التي كانت في الماضي وانتقلنا من مرحلة تختلف بمفاهيمها ومضامينها عن المراحل التي سبقتها, إلى مرحلة جديدة أطلق عليها الباحثون بالغرب بأنها, بكل ما تحمله الكلمة من معنى, بمرحلة الانبعاث العبري أو اليهودي, ولا تزال قائمة إلى يومنا هذا وهي آخذة بالتطور وليس بالتراجع, كما يحاول البعض التنظير لها لتحسين صورة الغرب المتصهين. وبدأنا, بعد تسرب الأفكار والتعاليم الدينية اليهودية للتاريخ الأوروبي بصفة خاصة, والغربي بصفة عامة, نشهد حالة من الدمج بين عناصر " دينية تاريخية وقومية ".وأصبحت أوروبا كما أسلفنا منذ القرن السادس عشر, تعيش جملة من الأساطير, كأسطورة " الحق التاريخي " التي تدعي بأن " العبرانيين " هم أول الشعوب التي استوطنت فلسطين.وأن اليهود المعاصرين, هم ورثة طبيعيون لهم.ولدولة إسرائيل التي قامت في العهود التوراتية. والأسطورة التوراتية " اليهودية " التي تربط بين أرض فلسطين و" الشعب المختار " ووعد الرب لبني إسرائيل بتمليكهم " الأرض المقدسة " كذلك أسطورة عودة المسيح المنتظرة وكلها أساطير استندت إلى التوراة اليهودية.التي تروي " تاريخ بني إسرائيل ".وتكرس فكرة " عودة " اليهود إلى فلسطين.ومن ذلك التاريخ سادت ما يسمى فكرة العصر الألفي السعيد, وتقوم في "الكتاب المقدس " على الاعتقاد بعودة المسيح إلى الأرض في نهاية الزمان ليحكم العالم مدة ألف عام خالية من الشرور والآثام.ورغم معارضة الكثير من الحاخامات اليهود, للتدخل البشري في هذه العودة, في تلك الحقبة, والنظر إليها كمسألة دينية سماوية لا سياسية. إلا أن غالبية الاتجاهات البروتستانتية, بقيت مصرة على إصباغ " الكتاب المقدس " بصبغة سياسية.ومنذ ذلك الحين اقترنت عودة المسيح في الأوساط المسيحية الأوروبية, بقيام " دولة الله على الأرض في القدس ".كما ربطت الطوائف اليهودية بين عودة المسيح وعودة اليهود (صهيون القدس).وقد واصلت هذه الحركات المسيحية التي تؤمن بأفكار العصر الألفي, عمليات استقطاب واسعة بين جموع الغربيين حتى بلغت ذروتها في القرن العشرين من خلال " مذهب العصمة " الذي يصر على أن " إسرائيل " هي التحقيق الواقعي للنبوءة التوراتية في العصر الحديث. وقد ساهمت هذه الأفكار إلى خلق ثقافة موحدة على مدار القرون الماضية وأصبحت الشخصية اليهودية جزءاً من إيمان وأعمال الأدباء والشعراء الأوروبيين, وباتت مقترنة هذه الأعمال, وهي أكثر من أن تحصى في الأدب الأوروبي منذ القرن السادس عشر إلى هذه الأيام, بفكرة " المملكة اليهودية المستعادة " في فلسطين.بالإضافة إلى توحد العهد القديم مع العهد الجديد في الرؤى الاعتقادية والحياتية اليومية, وأصبحت جملة السياسات والمصالح بما في ذلك الاقتصادية المرتكزة إلى بعد استعماري, تبنى على أساس من هذه العلاقة المتوحدة, في كل أوروبا الغربية بلا استثناء. انطلاقاً مما تقدم حاول العديدون من الكتاب والمفكرين والمثقفين العرب المسيحيين ومن بينهم ندرة اليازجي وطانيوس منعم إلى التنبيه من تهود الغرب, واعتبروا أن التوراة أصبحت كتاب المسيحية المقدس من ألفه إلى يائه مع الإنجيل, وهو الكتاب الذي يسمونه بالبشرية من مملكة الأرض إلى مملكة السماء.ليصوغ في الأرض مملكة تناظر السماء.وان العلاقة الموسومة بسمة القداسة بين التوراة والإنجيل هي القاعدة الروحية والفكرية لتهوّد الغرب المسيحي منذ نشوء النصرانية.وقد تلامح هذا التهوّد في كنيسة العبادة, وفي البيت العائلي والمدرسة, حيث التوراة, قبل الإنجيل, مستقى الأمثال والتجارب, والأخلاق :من حب وبغض, من رضى الله على هذا الشعب, وغضبه على ذاك, فهو يحُرم هذا, وينعم على ذاك, ينصر ذاك ويهزم هذا, فيتماهى عيسى في موسى, " ويهوه" التوراة في إله الإنجيل. هذه الملامحُ هي في الأناشيد الدينية, والصلوات الطقسية, والنوافير, فها هنا هارون ونجوره :والإحسان إلى صهيون.وبناء أسوار أورشليم, وقد تنبأ المسيح بنقضها حجراً حجراً.والمذابح والعجول..وهلمَّ جرا.ولعل هذه القضايا مجتمعة, قد أسست لقيام إسرائيل على أرض فلسطين, على الرغم من اختلاف الأسباب التي حدت بالحكومة البريطانية, ومن قبلها نابليون الفرنسي, برئاسة لويد جورج لإصدار وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 وتفاوت الأسباب بين دوافع حب اليهود والاهتمام بمصلحة الدولة واستراتيجية الحرب.ومن هنا لابد من البحث عن التفسير الأساسي للدوافع الصهيونية لدى الكثير من قادة الغرب, حيث نجد بأنه لم يكن لويد جورج وآرثر بلفور هما الوحيدين المؤيدين لاهداف الصهيونية في فلسطين على حساب العرب قلباً وقالباً, ولكنهما كانا على رأس جيل كامل, لا يزال يتناسل حتى هذه اللحظة من الصهيونيين غير اليهود الذين كانت لكل منهم شخصيته المتميزة في الحياة العامة وفي الحكومات الأوروبية الغربية عموماً, وهنا لسنا بمعرض إدراج هذه الأسماء المؤثرة في الحياة السياسية في تلك الحقبة بكل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا التي وصفت بأنها إسرائيل الثانية عند الكثير من مؤرخين اليهود والمسيحيين الغربيين.ومن الوجهة الأخرى لابد لنا من النظر إلى هذا الانحياز بكلتا العينين, فالغرب عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص, قد وجدا بهذا الوليد - إسرائيل _, الذي يعتبر نتاجاً لفكر الغرب, ووليداً شرعياً لهم, بأنه الاحرص على الدفاع عن المصالح الاستعمارية, انطلاقاً من أن الثقافة الغربية بالإضافة إلى ارتكازها إلى العهد القديم, بأن ثمة بون واسع تفصلها عن الثقافة والقيم العربية, وأن الشخصية العربية في المنظور الغربي, هي شخصية بدائية, وطالما وصمت بهذه الصفة بطبيعة الحال فهي شخصية انقلابية غير مأمونة الجانب, وتفصلهم عنها جملة السلوكيات والعقائد والأعراق أيضاً.وأنه مهما بلغت حميمية العلاقات الأوربية - العربية, لا يمكنها أن تحل محل العلاقة التوأمية القائمة ما بين إسرائيل (حاضرة الغرب في الشرق), وأوروبا, ولا يمكن أن تقدم الخدمات الجليلة التي تقدمها إسرائيل بداية من الحفاظ على المصالح الاستراتيجية بكل ما تحمله من معان, وانتهاءً باعتبار إسرائيل وعلى الدوام مفتاح المستقبل في منطقتنا العربية.ومن نافلة القول, أن ما نشهده هذه الأيام من مواقف غربية منحازة لإسرائيل رغم التطور المذهل للعلاقات العربية الغربية, ليست سوى محصلة طبيعية, لجملة القناعات المتأصلة والمصالح المرجوة.وأن من يتصور أننا أصبحنا نحن العرب من خلال علاقاتنا مع الغرب في ذات المرتبة التي تحظى بها إسرائيل واهماً, وأنه لا يمكننا تعديل مواقف أوروبا ودفعها باتجاه اتخاذ مواقف متوازنة من قضايانا إلا إذا وصلت أوروبا إلى قناعة كلية, بأن استمرار مواقفها الداعمة لإسرائيل ستكلفها ثمناً باهظاً.وهذا الأمر يتطلب مواقف عربية متوازنة وصادقة وموحدة, ترتكز إلى أبعاد متعددة الرؤوس والأهداف بداية من البعد السياسي مروراً بالبعد الاقتصادي بكل ما يحمله من أهمية, وانتهاء باستجلاب عوامل القوة والقدرة والردع الاستراتيجي, والتي ستكون بداية لرد الاعتبار و رسالة مؤثرة ستجعل الغرب مضطراً بعد ذلك للتوقف عند كل موقف مؤازر لإسرائيل ضد العرب.ولعل أمثلة كثيرة تؤكد صحة هذا الكلام, وأن ما حصل في بعض الدول الإسلامية المحيطة بنا, كالباكستان مثلاً التي امتلكت القنبلة الذرية وبرنامج الردع الصاروخي, قد حدت من جملة المشاريع والإجراءات التي كانت تستهدف أمنها القومي, المدعومة من الغرب وإسرائيل عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص, والتي تمثلت في الدعم اللامتناهي للهند, واضطرت الدوائر الغربية على اختلافها إلى إيجاد حلول متوازنة في تلك المنطقة, أو على أقل تقدير محاولة التهدئة ونزع فتائل التوتر. ومن هنا يبرز السؤال الذي لابد منه, هل وصل العرب حقاً إلى سياسة ترمي إلى فرض حالة التوازن في المنطقة؟ وهل وصل العرب لقناعة مطلقة بأنهم يمتلكون كل عوامل القوة التي تجرد إسرائيل من الكثير من مرتكزات قوتها الغربية المنحازة؟ أم لا يزال الوقت مبكراً, وسنبقى نتباكى على أطلال القوة العربية التي وصلت العمق الأوروبي ذات يوم؟ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق