.. حتى الحزبين الايديولوجيين اللذين يتباهى كل منهما بأن كوادره تنتمي الى الطبقة المثقفة تورطا مع نظام نميري, كل بطريقته الخاصة. لكن بينما لم يدم تعاون الحزب الشيوعي ـ او بالاحرى قسم منه ـ مع النظام لأكثر من عامين فإن تعاون حزب (الجبهة القومية الاسلامية) امتد ثماني سنوات حتى قبيل سقوط النظام في عام 1985 . خلال هذه الفترة كان د. حسن الترابي المستشار السياسي الاول للرئيس نميري وتنظيم (الجبهة) القاعدة الشعبية الاساسية للنظام, ولو تكلم نميري الآن وروى ما لم يرو فإن من الاسرار التي قد نعرفها ان انقلاب (الجبهة) في عام 1989 ربما بدأ الاعداد له منذ سنوات شهر العسل بين نميري والترابي, ذلك ان نميري, انطلاقا من هاجس الخوف المترسب من الشيوعيين, اتاح للجبهة وكوادرها حرية تامة في العمل التنظيمي في اوساط الجيش بأمل تنظيف صفوف الضباط ممن قد يكون تبقى من عناصر شيوعية. ونستذكر ان نميري تولى السلطة في عام 1969 بدعم شيوعي وهو يحمل شعارات يسارية اشتراكية.. لكنه انتهى في آخريات عهده الى تبني اجندة اسلامية زائفة. ابرز نميري الورقة الاسلامية, باعلان (قوانين سبتمبر) من اجل اطالة عمر النظام (كان ذلك في النصف الاول من الثمانينيات) بعد ان احترقت كل اوراقه وحيله السياسية الاخرى. هنا اسعفت الجبهة القومية الاسلامية الرئيس نميري فبايعته على اساس انه صار (أمير المؤمنين) كانت صفقة: الجبهة توفر لنميري ترويجا اسلاميا ودعما شعبيا سياسيا مقابل ان يطلق الرئيس لكوادر الجبهة التغلغل في المؤسسات الحكومية بما في ذلك القوات المسلحة, انها اذن فترة غنية بأسرار وتفاصيل ليس من مصلحة (الجبهة حتى اليوم ان يضطر نميري لكشفها. لذا كان الترابي خلال المرحلة الحزبية الديمقراطية التي تلت سقوط نميري ابعد ما يكون عن التحمس للمطالبة بتسليم نميري في مصر, ومن هنا نفهم ايضا لماذا عاد نميري واستقر في الخرطوم دون ان يقدم الى محاكمة مثل هذا التخوف يستبد ايضا بقادة الحزب الشيوعي الذين ساندوا نظام نميري بقوة في مرحلته الاولى. من وراء ظهر الحزب شارك عدد من ابرز قياداته في انقلاب 1969 ومن ثم خرجوا على الحزب علنا بعد نجاح الانقلاب وانخرطوا في السلطة الانقلابية الجديدة وسخروا لها مااستطاعوا من ادوات الحزب ونفوذه, هنا تبرز ثلاثة اسماء قيادية: احمد سليمان وفاروق ابوعيسى ومعاوية ابراهيم. بعد سنتين من الانقلاب وقع انقلاب مضاد بقيادة ضابط محسوب على الحزب الشيوعي (الرائد هاشم العطا) لكن نميري استطاع استرداد السلطة بعد ثلاثة ايام فقط, وكانت عودته ايذانا بتدمير الحزب, والحقيقة التاريخية التي لا تذكر كثيرا في هذا السياق الهام هي انه لولا تعاون الثلاثي احمد سليمان وفاروق ابوعيسى ومعاوية ابراهيم لما تمكن نميري من القضاء على الحزب الشيوعي كما فعل. لقد كان الحزب الشيوعي السوداني عند نهاية الستينيات الاقوى من نوعه في العالم العربي وافريقيا من حيث الدقة التنظيمية والتفاف الطبقة المهنية المثقفة حوله.. واهم من هذا وذاك السرية الاسطورية لخلاياه التنظيمية. لذا ليس من المعقول ان يتمكن حاكم فرد مهما توافر له من ادوات الجبروت والفتك ان يقضي على الحزب قضاء مبرما إلا عن طريق اختراق سريته التنظيمية بواسطة عناصر قيادية نافذة من الداخل.