علاقتنا نحن العرب بإسبانيا منذ تسليم أبو عبد الله الصغير مفاتيح غرناطة في الثاني من يناير عام ,1492 ومقولة أمه الشهيرة (ابك كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال), مرت بمراحل عدة, في البداية التمسك بأهداب الأمل ، انتظارا لأزمنة أفضل تسمح لنا بالعودة, فكان العداء لكل ما هو كاثوليكي إسباني يسكن قلوبنا, مع مرور الوقت وابتعد الأمل في العودة, وتحول ذلك الأمل إلى مجرد صورة شعرية تداعب خيالنا, (الأندلس المفقود), وانتقل الغضب في الشعر حنينا إلى هذا الاندلس, ثم اعترافا بالواقع واستحالة تحقيق الحلم ولو في الشعر, فعقدنا هدنة لا نهائية مع ذلك الحلم وحولناه إلى رابطة أبدية من المرارة تربطنا بماض جميل لن يعود, وعدنا إليه نحن (سياحا) يقبلنا عدو الماضي كأصدقاء. لكن مرحلة الصداقة كانت لها ظلالها وأضواؤها نتيجة تشابك العلاقات السياسية الدولية, فتحول عدو الماضي إلى حليف اليوم, وبشكل خاص في قضية العرب المركزية (القضية الفلسطينية), كانت إسبانيا نتيجة رؤية نظامها السابق بقيادة الجنرال (فرانكو) تلتقي مع رؤيتنا للعدو الصهيوني, فكان تقليد تلك السياسة التصويت في الأمم المتحدة إلى جانب العرب في كل ما يختص بتلك القضية وما شابهها, حتى اعتقد معظم العرب أن علاقتنا بأرض الأندلس القديمة تحولت (حلفا مقدسا) ليس في حاجة إلى تنمية وتطوير, إلا بقدر ما يمكن للبعض أن يبذل جهدا فرديا و نتيجته معروفة مقدما. ظللنا في اعتقادنا بوجود الحلف المقدس وكأن الجنرال فرانكو سيظل مدى الحياة, وأن السياسة الدولية بتحولاتها التي تصب في مصالح معقدة لا يمكن أن تنهي هذا الحلف, ومع الخطوات الأولى للديمقراطية في إسبانيا تمسك (أدولفو سواريث) بتلك السياسة, وقام بأول جولة عربية خالصة لمسئول سياسي إسباني, ورفض أن تشمل الجولة إسرائيل رغم ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية, وفي عهده تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني), رغم وصمة الإرهاب التي كانت تصفها بها بعض الدول الأوروبية في ذلك الوقت, و سمح بفتح مكتب لها في مدريد على مستوى السفارة, والإعلان عن استمرار رفض أي تعامل مع إسرائيل إلى أن تقوم دولة فلسطينية مستقلة. رغم كل هذا, ظل العرب في مكانهم لا يبرحونه, ولم يحاولوا تغذية هذه الدفعة الجديدة في السياسة الإسبانية المعاصرة, على الرغم من أن هناك إشارات واضحة كانت تؤكد إمكانية حدوث تحول في تلك السياسة في أي وقت, خاصة بعد التحول من دكتاتورية الجنرال فرانكو إلى الديمقراطية الحزبية, وأبسط قواعد الديمقراطية الحزبية هي تبادل السلطة بين الأحزاب, وجزء مهم من الأحزاب السياسية الإسبانية كانت لها علاقات فعلية مع أحزاب إسرائيلية, سواء بشكل فردي أو تحت مظلة مسميات دولية مثل الاشتراكية الدولية, مما قد يعني الاعتراف بإسرائيل في أية لحظة . في بداية الثمانينيات تنبه بعض العرب إلى هذه البديهية الجديدة, فشهدت إسبانيا حركة دبلوماسية عربية نشطة, ليس لأن العرب أدركوا أهمية تنمية علاقات الصداقة مع إسبانيا القائمة على علاقات تاريخية تجعل ثقافتنا جذرا رئيسيا من ثقافة هذا الشعب, ولكن نتيجة لنشاط فردي تمثل في وجود سفير قطر النشط في تلك الفترة (عمر الدفع), الذي وجد في سفير العراق السابق أيضا الشاعر (أمجد توفيق) دعما ينبع من توجهه القومي, وأيضا لأن بلاده كانت في تلك الفترة في حاجة إلى الدعم الدولي في أي محفل كان. لكن كل منهما كانت له رؤية ثاقبة تحاول سبق الأحداث قبل أن يفتح الإسرائيليون سفارة لهم في العاصمة الاسبانية, وبفضل تلك الرؤية كانت اللقاءات الإسبانية العربية السنوية في مدينة (المونييكر) جنوب غرناطة, و هي التي تقع في مكان (المنكب) الذي نزل إليه عبد الرحمن الداخل صقر قريش هاربا من الموت في دمشق, ومنها انطلق لبناء الدولة الأموية الظافرة في الأندلس. خلال تلك اللقاءات لم يكن الجانب الإسباني يطمح إلى أكثر من أن يلفت العرب, بأموالهم النفطية التي بدأت تتدفق استثماراتها في أوروبا, في الاستثمار في إسبانيا وبشكل خاص في أراضي الأندلس التاريخية, خاصة أن (المونييكر) تحتل موقعا لا يقل عن موقع (ماربيا) كمصيف ومشتى, لذلك قدم عمدة المونييكر الشاب (خوان كارلوس بينابيديس) (الذي كان يقول أن لقبه مأخوذ عن اللقب العربي (بني عبيد) لتلك اللقاءات كل دعم على أمل أن يتحول دعم السفيرين القطري والعراقي من مجرد اللقاء السياسي السنوي, الذي يرتكز على ما هو ثقافي ليعتمد على عصب السياسة المعاصرة وهي الاقتصاد. لكن يبدو أن جهود عمر الدفع وأمجد توفيق كانت مجرد ضربات في الهواء, لم تحاول الحكومات العربية أن تدعمها رسميا بأي جهود استثمارية, كتلك الاستثمارات التي كانت تذهب إلى مستعمرينا السابقين والحاليين في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة, فانقطعت تلك اللقاءات بانتقال عمر الدفع إلى سفارة قطرية بعيدة عن إسبانيا, ثم جاء (غزو الكويت) ليدفع الشاعر الرقيق أمجد توفيق إلى الاستقالة احتجاجا على سياسة رئيسه صدام حسين, التي اصطدمت بمعتقدات السفير الشاعر القومية. انتهت تلك اللقاءات مبكرا, ولكن نتائجها ظلت تنمو بشكل فردي بين الذين كانوا يشاركون في تلك اللقاءات من الجانبين, وأنا كنت واحدا من هؤلاء, حيث شاركت فيها عدة سنوات كصحفي ومراقب متابع للأحداث, وأيضا كمحاضر يحاول أن يشارك في تنشيط البذرة الثقافية في هذه العلاقة. خلال تلك اللقاءات عرفت الفنان الغرناطي الحساس (كارلوس كانو) الذي رحل عن عالمنا قبل أيام, والذي كان الصوت المرهف الذي كان يضع علامة النهاية في تلك اللقاءات بغنائه لقصائد مترجمة إلى الإسبانية للملك الشاعر المعتمد بن عباد, أو للشاعر الغرناطي (العربي الحس) فيدريكو جارثيا لوركا, أو من قصائده هو شخصيا ــ فقد كان كارلوس كانو شاعرا أيضا ــ التي يتغنى فيها بأمجاد غرناطة خلال عصرها الذهبي عندما كانت حاضرة الأندلس. أول لقاء لي مع كارلوس كانو كان عام 1985 في مدريد, في الشقة التي كان يسكنها الشاعر عبد الوهاب البياتي بالعاصمة الإسبانية, غنى وقتها أول قصيدة لحنها للمعتمد بن عباد, دمعت عينا البياتي تأثرا بصوت المطرب الغرناطي حتى قبل أن أترجم له معاني تلك الكلمات, لأن البياتي لم يكن يجيد الإسبانية, وظل هذا اللقاء محفورا في ذهني لأن كارلوس كانو لم يكن مطربا أو موسيقيا, بل كان شاعرا, فهو ينتمي إلى تلك الفئة من الفنانين الذين يطلقون عليهم بالإسبانية (Cantautor) أي (المطرب المؤلف), بمعنى أنه المطرب الذي يؤلف الأغاني والأشعار التي يغنيها ويضع ألحانها أيضا, وهؤلاء قلة. عرفت بعدها أن كارلوس كانو أنشأ مع مجموعة من المثقفين الإسبان ذوي الأصول الأندلسية جمعية أطلقوا عليها اسم (الثاني من يناير), تحاول هذه الجمعية أن تحول تاريخ الثاني من يناير 1492 من احتفال بانتصار الملوك الكاثوليك على جيش أبو عبد الله الصغير والقضاء على الثقافة الإسلامية في الأندلس, إلى الاحتفال باندماج الثقافة الإسلامية في ثقافة إسبانيا, أي الاحتفال بصيغة التعايش التي كانت بين جميع الاديان والثقافات, لا بطرد الثقافة العربية الإسلامية التي يتم الاحتفال بها سنويا منذ تسليم مفاتيح غرناطة للملوك الكاثوليك حتى الآن. تضم الجمعية من بين أعضائها عددا من الكتاب والمثقفين مثل الشاعر والروائي أنطونيو جالا, والصحفي خافيير فالنثو يلا, والمستعربتين كارمن رويث, وثيليا ديل مورال, والكاتب أندريس سوبينيا, وغيرهم من المثقفين الإسبان, وينتسب إليها أيضا عدد من المثقفين العرب. الرحيل المفاجئ للفنان الشاب كارلوس كانو الأسبوع الماضي, بعد أن خانه قلبه في الطريق, دفع أعضاء الجمعية إلى تقديم احتفالهم أسبوعا قبل موعده, لأن الجمعية كانت أعدت بيانا هذا العام تحت عنوان (من أجل التعايش بين الثقافات), وكان من المقرر أن يلقي الفنان هذا البيان بصوته في احتفال خاص. يؤكد البيان على رؤية المثقفين الإسبان بشكل عام, والغرناطيين بشكل خاص تجاه ممارسات بعض السياسيين الذين يرون في المسلمين والإسلام عدوا, ويطالبونهم بتغيير صيغة الاحتفال الغرناطي ليكون صيغة جديدة تؤكد على التسامح والتمايز في ظل اللقاء. رحيل الفنان كارلوس كانو المبكر وحد القلوب في وطنه الصغير غرناطة, فقرر عمدة المدينة تبني وجهة نظر جمعية (الثاني من يناير) وإدخال تعديلات على كلمته التي سيلقيها في الاحتفال الرسمي الذي يقام في مجمع قصور الحمراء يوم الاحتفال بالعيد القومي للمدينة في الثاني من يناير, ليكون محورها التنوع الثقافي والفني والعرقي شعار المدينة في احتفالها. إذا كانت الجهود الفردية من الجانب العربي لتوثيق عرى الصداقة مع إسبانيا أثمرت مثل هذه الثمرات, فإن جهودا رسمية من الجانب الإسباني انضمت إلى الجهود الفردية في محاولة لتنمية تلك الشجيرات الصغيرة الناشئة عن تلك الجهود, وشاءت الصدفة أن يكون يوم رحيل الفنان كارلوس كانو موافقا لإعلان خطوة جديدة على طريق تحقيق حلمه في أن تكون غرناطة ملتقى لثقافة بلاده مع الثقافة العربية, فقد تم الإعلان عن تحويل القسم العربي بوكالة الأنباء الإسبانية (افي) إلى مؤسسة ثقافية رسمية تحت مسمى (مؤسسة المتوسط للإعلام), تدعمها رسميا حكومة الأندلس الإقليمية, لتكون جسرا يربط بين إسبانيا والعرب, لأنها في حلتها الجديدة تتخطى دورها كوكالة بث أنباء تقليدية, إلى خلق علاقة أكثر متانة ما بين الإعلام الإسباني والإعلام العربي, إضافة إلى تبني إقامة مؤتمرات, ودعم دراسات تهدف إلى تطوير الإعلام العربي ومده بآخر الخبرات في مجال تكنولوجيا الإعلام, التي تحتاجها العديد من وسائل الإعلام العربية التي لا تمتلك القدرة الكافية على امتلاك مثل تلك الوسائل, وهو هدف نبيل يضاف إلى الجهود التي يبذلها الجانب الإسباني, وبشكل خاص في منطقة ا لأندلس لتوثيق العلاقات مع العرب . المؤسسة الإعلامية الجديدة في حاجة إلى دعم معنوي ومادي من خلال تعاون المؤسسات العربية الرسمية والخاصة, ووسائل الإعلام العربية معها, حتى لا تجد نفسها (تؤذن في مالطة) وينتهي بها الحال كما انتهى بمنتدى (اللقاء العربي الإسباني) في المونييكر, الذي توقف لتجاهل العرب له. منذ تسليم أبو عبدالله الصغير مفاتيح غرناطة وحتى رحيل الفنان كارلوس كانو وأهلها يعيشون على أمل اللقاء مع ماضيهم, أيديهم ممتدة دائما تبحث عن من يشد عليها, فهل تجد من أحفاد سكانها القدامى من الخليج إلى المحيط من يمد يده ليعانقها؟. * كاتب مصري مقيم في إسبانيا