كل الملايين العربية الصارخة في وجه المشروع الصهيوني, تستطيع أن تهنئ نفسها على فشل هذا المشروع في اختراق الوجدان العربي, ذلك ان كل المحاولات الرامية لتمرير النموذج الصهيوني اليهودي ، في البيئة العربية الشعبية على انه النموذج المثالي للسلام والديمقراطية والذكاء والتقدم العلمي والاقتصادي ...إلخ محاولات تحرث في البحر وتزرع في العاصفة, أي انها محاولات فاشلة, فاشلة حتى آخر مواطن عربي على قيد الحياة. وسواء توجهت عمليات غسيل الدماغ للنخب العربية المثقفة أم للجماهير البسيطة, أو حتى للأجيال الجديدة التي يعتقدون بسهولة اختراقها نظراً لضعف حصاناتها العقائدية والثقافية, فإن نتائج هذه العمليات ستكون صفراً في النهاية, حيث ترتبط الشخصية اليهودية والصهيونية عندنا بتراكم تاريخي وبثوابت عقائدية لا يمكن تغييرها, أو اللعب عليها بأوراق الذكاء والسياسة والاقتصاد, أو القوة والابتزاز والتزوير الإعلامي. وعندما أعلن في الكيان الصهيوني مؤخرا عن الانتخابات الاسرائيلية المبكرة اثر تقديم ايهود باراك استقالته نتيجة ضغوطات الانتفاضة وفشل عملية السلام, تقدم لهذه الانتخابات مجموعة من القيادات الصهيونية على رأسهم رئيس الوزراء المستقيل باراك, ورئيس الوزراء السابق نتانياهو والارهابي شارون ورئيس الكنيست الاسرائيلي ابراهام بورج, اضافة إلى يوسي بيلين, وشلومو بن عامي, وزعيم حزب العمل شيمون بيريز, هنا بدأنا نقرأ الكثير من التحليلات التي انهمرت كالسيل عبر الصحف العربية والاسرائيلية والغربية حول هؤلاء المرشحين ومواقفهم تجاه عملية السلام, وموقف الشارع الاسرائيلي تجاه برامجهم وتوجهاتهم, ومن كل هذه التحليلات نستطيع ان نخرج برؤية محددة لما أكدت عليه أغلب هذه التحليلات: بالنسبة لتيار حزب العمل وزعيمه الروحي شيمون بيريز فإنه ما زال مؤمنا بمسار أوسلو السلمي وهو على غير استعداد للتنازل عن العملية السلمية المتدرجة ـ حسب تعبير محلل صحيفة (معاريف) الاسرائيلية ـ وهذا التيار يرجع أسباب العنف وتفجر الانتفاضة إلى تعجل باراك ولهاثه وراء الاتفاق السريع مع الفلسطينيين. أما التيار الثاني الذي يمثله باراك وشلومو بن عامي وبنيامين بن اليعازر, فقد توقف نهائيا عن الإيمان بمسار أوسلو بدعوى ان فكرة الحل على مراحل فكرة خاطئة من الأساس ولا تقود إلى نتيجة ولا تخلق أي ثقة بين الطرفين, وقد صرح بن عامي تأكيدا على رفضه لمسار السلام الحالي قائلا: (حلمي هو ان أجلس مقابل بيريز ساعة واحدة في التلفزيون لأتصادم معه حول عملية أوسلو, انني سوف أمزقه إرباً إرباً)! وفي النهاية فإن هذه التحليلات قد تفيد الشارع والإعلام والناخب الاسرائيلي, لأنها في النهاية قضية دعايات انتخابية, ومصالح حزبية قد تختلف في التفاصيل لكنها لا تختلف على المبدأ, فالمبدأ الصهيوني واحد لا يستطيع باراك ولا غير باراك الخروج عليه, فمصلحة الدولة العبرية فوق مصالح أي حزب وأي شخص, وهذه المصلحة ترعاها تنظيمات ومحافل وجماعات موغلة في الخطورة والنفوذ, وعليه فلا فائدة من الإيمان والاندفاع وراء هذه التحليلات التي قد تشكل مطباً سياسياً لكثير من الذين يندفعون خلف التحليلات الخادعة من أبناء الأمة العربية, فتراهم بلا وعي يهرولون إلى الوقوف إلى جانب مرشح اسرائيلي ضد الآخر اعتقاداً منهم بأن هذا المرشح في حال فوزه سوف ينصف العرب ويكون على يديه حل القضية واقرار السلام في المنطقة!! وفي النهاية يكتشف الجميع ومنذ الخطاب الأول للرئيس في الكنيست حقيقة جبل الجليد, كما يعرف الجميع ان في اسرائيل أسماء كثيرة ومرشحين كثر, ولكن هناك هدف واحد, وخطة واحدة, وتوجه واحد, هو مصلحة اسرائيل في مقابل فناء كل العرب!