لن تنسى بعد اليوم في ظل ما توفره لك شبكة الاتصال الحديثة ولن تشعر انه بامكانك ان تهرب يوماً او يومين من محيطك لتتمتع بلحظات تصنعها لنفسك حتى في ايام العيد بعيدا عن المؤثرات التي تنهش من قلبك وفكرك, لن تكون خاليا من الهم, ولا فارغا من أي عمل, انت على تماس دائم بما ينبض به العالم ثانية بثانية طالما تعودت الجلوس في ركنك امام شاشة الكمبيوتر وانتبهت في الوقت نفسه الى ما تبثه المحطات الفضائية من اخبار عبر تلفزيونك المركون في الركن المقابل.. لا هروب بعد اليوم انت في منتصف بؤرة العالم الذي تأتيك تأوهات المظلومين فيه الى مكانك وتنصت او تقرأ اخر اخبار تحركات الرؤساء وصناع السياسة والمعارك والازمات وتحركات الآخرين الذين يذهبون هنا وهناك بحثا عن حل لتلك الازمات التي يبدو انها صارت وسيلة بني البشر على هذا الكوكب البسيط التي يتعاملون من خلالها ويقيسون انسانيتهم بناء على تأثيراتها وفواجعها وقدراتهم على اداراتها واستثمار مصالحها. لم نكن نشعر قبل ذلك بهذا الضغط الكبير فمحطات التلفزيون قبل توظيف طاقات الاقمار الصناعية لخدمتها لم تكن قادرة على بث ما تلتقطه كاميراتها في اللحظة ذاتها والصحف التي تقرأ جديدها في الصباح سوف تطالعك بأخبار حدثت قبل يومين او ثلاثة, لكنك اليوم انت على محك دائم لحظة بلحظة بكل فعل يحدث حتى ولو ماتت سلحفاة صغيرة في موزمبيق. اول امس اعلن الفلسطينيون عدم قبولهم لخطة تسوية طرحها الرئيس الامريكي الذي يراهن على اخر افكاره لحل ازمة الشرق الاوسط قبيل رحيله عن كرسي سيادة العالم وفي محاولاته الاخيرة لتسجيل اسمه في دفتر من صنعوا سلاما على كوكب البسيطة, واول امس اعلن عن قمة ثلاثية ثالثة في شرم الشيخ لالتقاء ايهود باراك والرئيس الفلسطيني لكن الاول تهرب من القمة فيما كانت حافلة اسرائيلية تنفجر في تل ابيب ثم توالت الاخبار عن عدد القتلى والجرحى, واول امس تلقيت عبر البريد الالكتروني تهنئة بالعيد عبارة عن صور مجمعة لاطفال فلسطينيين قتلى ومجروحين وجنود اسرائيليين يحملون بنادق للقتل وليست للحراسة, صورة مؤلمة ويجاورها عبارة (عيدكم مبارك كل عام وفلسطين بخير). تهرب بعيدا عن هذا وذاك فقط لتحصل على لحظة عيد, تدير قنوات التلفزيون وتجلس هادئا تشاهد تقريرا عن ترميم قبة الصخرة والاعيب الاسرائيليين لهدم هذا المكان الطاهر. انت في صميم العذاب ولا يمكنك الهروب. العالم ايضا يتسلى بإحصاء انجازاته وخساراته في العام الماضي الذي نودعه بهدوء, العالم ايضا يستعد لاستقبال العام الجديد بدعوة للتفاؤل, وكأن اعوام ازمان في التي تتحمل وزر ما يقترفه بنو البشر تجاه انفسهم واقرانهم. الهروب في مثل هذه الحالات هزيمة ومن ينادي بالاستجمام والتخلص منها هم اكثر الناس بلادة, العالم يأكل بعضه بطرق اكثر حداثة واللحظة الصافية تاهت في عالم وحشي. halyan@albayan.co.ae