صباح العيد في اليوم الثاني للفرحة.. أولئك الذين ولدوا في أواخر الخمسينيات وتشبعوا بطفولة ومراهقة بسيطة ورائعة في الستينيات, والذين لسعت أصابعهم حرارة (حلوى) العيد وانغمست في ذاكرتهم انماط العلاقات، الاجتماعية الأصيلة في ذلك العهد حينما كانت المودة وكان الرهان الوحيد على علاقة الأفراد ببعضهم هو ذلك الرضا الأعمى بالبساطة والحميمية والحب الكبير, يشعرون هذه الأيام ان زمان أعيادهم ولى وعاد ما يقول لكم أحدهم: الله على أيام زمان, وعيد زمان, وعلاقات زمان وكرم زمان ومودة زمان,, وهم أكثر الناس حنينا ـ غير عادي ـ لمراتع صباهم, وهم أكثر من يقول لك ان المدني والأشياء الحديثة في الحياة أضاعت علينا الكثير من كنون زمان, رغم ان هذا الزمان الذي يتحدثون عنه كان فقيرا, وأسباب العيش فيه لا تؤخذ إلا بشق الأنفس. هؤلاء أيضا هم أول من يثور على وسائل الرفاه اليوم, وهم أول من يلعن التليفون والتلفزيون والكمبيوتر والانترنت, فهم أول من ادعى ان الروبوت الآلي سيحل محل الانسان العامل في مجالات العمل وانه سيكون مصدراً للتعاسة وللبطالة وانه (قطّاع) أرزاق, وهم من شبه التلفزيون بالشيطان الذي يقتحم المخادع, وهم أول من ابتدع فكراً يحارب وجود الآلة وسطوتها وتحكمها في مصير البشرية, كلنا يتذكر ذلك, ولليوم يقول لك أحدهم: أيامنا أجمل الأيام, أعيادنا السابقة أجمل الأعياد إلى ما سواها من أقوال. هؤلاء الذين ولدوا في أواخر الخمسينيات وتمتعوا بأيام صبى في الستينيات مليئة بالاكتشافات المغيرة لأساليب الحياة وشهدوا صعود الانسان إلى القمر أول مرة, وكذبوه وقالوا انها بدعة, وان أبولو حطت في صحراء على الأرض, وليس على القمر البعيد المستحيل, هم اليوم أكثر من يتحسس جوانب الحياة وطوارئها ولا أخفي عنكم اني منهم. صباح يوم العيد لم يسكت تليفوني النقال عن الرنين عشرات المرات, لكن ليس هناك على الطرف الآخر, أو على (الخط) كما عودتنا التكنولوجيا ان نقول صوت انسان, فقط تسمع الرنين ثم تضغط على زر (المسج) لتقرأ رسالة تهنئة بالعيد ولأنك لا تعرف من أرسلها لك فإنك تعود لقائمة الأرقام لتتأكد لمن يعود رقم المرسل, وتحتار كثيرا لو أنك لم تتذكر رقم قريبك أو صديقك, أو جارك الذي لا تعرف رقم هاتفه أصلا, من يهنئني على الطرف الآخر, سؤال تدفع به إلى ضلوع صدرك وتستقبل (المسج) بابتسامة عريضة. الغت مواصفات الهواتف النقالة صوت محبيك وما عليك سوى قراءة الكلمات, ألغيت البطاقات التي تحمل صورة مكة المكرمة وعبارة تقول لك (عيدكم مبارك وعساكم من عواده) وتوقيع جميل في نهاية البطاقة. تكاسلت وتكاسل الأحبة عن زيارتك وما تبقى لك سوى ان تجلس بجوار هاتفك الصغير لترسل وتستقبل رسائل بلا أصوات ولا وجوه .. قلت قبلات العيد. أنا من مواليد 1961. halyan@albayan.co.ae