تعودت أن أسمع هذه العبارة منذ صغري على لسان الأهل الذين أخذت عنهم الكثير من التقاليد التى لا أزال أعيش بها, وكنت أسمع أبى يرد بهذه العبارة على أمى التى كانت تتهمه بالتبذير فى شراء (مكسرات) رمضان, فضلا عن اللحوم والطيور وغيرها من كل ما كان يعمر المائدة فى ساعة الافطار, وكان أبى كلما وجهت أمى اليه لوما على اسرافه فى شراء لذائذ المائدة الرمضانية يوقفها عن اللوم بعبارة: (رمضان كريم يا أم الأولاد). وكانت أمى تكف عن المضى فى الكلام بعد سماع هذه العبارة. وكان الموقف نفسه يتكرر فى غير الطعام والشراب, وفى الكثير من الأمور التى كانت تفتح أبوابها المغلقة عبارة (رمضان كريم). والمؤكد أن دلالة العبارة كانت تتجاوز المأكول والمشروب الى المواقف السلوكية, ولذلك حملت فى ذاكرتى معانى التسامح والرفق بالآخرين والعطف على المحتاجين والبر بالأهل والحفاوة بالغرباء وغفران الهفوات والزلات والسقطات. وكثيرة هى المواقف التى تجمعها ذاكرتى والتى كانت هذه العبارة الجميلة تنهى أزماتها ومشكلاتها. هكذا, ظلت عبارة (رمضان كريم) تحمل ما يشبه أن يكون معنى سحريا, كأنها عبارة (افتح ياسمسم) التى خايلت عقولنا الصغيرة بعد أن سمعنا حكاية الأربعين حرامى الذين وضعوا كنوزهم فى مغارة مطلسمة لا تفتح أبوابها الا لمن يعرف العبارة السحرية (افتح ياسمسم) التى يلقيها الواقف على باب المغارة. وكانت عبارة (رمضان كريم). تحمل شيئا من السحر نفسه فى فتح الأبواب المغلقة من كنوز الكرم والعفو والرحمة والمغفرة وغير ذلك من كل ألوان المحبة التى غمرنا بها الأهل فى طفولتنا. ولست أدرى ما الذى جعل دلالة هذه العبارة تتقلص فى عقلى مع مرور الوقت ومضى السنين والأعوام؟! لقد أخذت معانيها الكثيرة فى الاختفاء تدريجيا, ولم يبق منها سوى معنى واحد لا يفارق الأكل, خصوصا فى السنوات الأخيرة التى انشغل فيها الناس ببطونهم أكثر من انشغالهم بعقولهم. لم تعد العبارة مقترنة بالعفو عن الخطأ غير المقصود, أو الرد على اللجاج الغليظ بالحسنى, أو التعاطف مع الناس الذين نتعامل معهم بالقول والفعل فى شتى مجالات الحياة, لم يعن لها سوى معنى واحد: الأكل. وأصبحت أسمع العبارة عندما أرى ما أصبح يسمى (موائد الرحمن) حول بيتى بجوار نادى الصيد فى القاهرة, حيث تنبسط الموائد فى خطوط تجمع مئات الصائمين. وهى ظاهرة لا يمكن لمسلم الا أن يمتدحها بتكرار عبارة (رمضان كريم) خصوصا حين يرى تنافس المتنافسين فى اعداد موائد الرحمن وكثرة ما يقدمونه عليها. وأحيانا أقول لنفسى لماذا لا يسرى مبدأ الكرم هذا فى شهر رمضان الى بقية الشهور, ليس على الموائد فحسب وانما فى كل وجه من أوجه حياتنا. وأحيانا أسمع بعض المحيطين بى يعلقون بالسلب على الأموال الباهظة التى تنفق على (موائد الرحمن) ويضيفون الى ذلك الحديث عن ثروات الذين ينفقون على هذه الموائد, وكيف جمعوا هذه الثروات, وأن هذه الموائد تشبه عملية غسيل الأموال فى غير حالة, وعادة أميل الى الصمت ازاء هذه الأحاديث, مخافة أن أرمى الناس بالباطل. ولا أضيف شيئا الى تعليقات الآخرين فى هذا المقام سوى القول: المهم اطعام الفقراء وعابرى السبيل, والأهم أن تجمع (موائد الرحمن) بين ما يدخل المعدة وما يدخل العقل, وأن تتسع معانى الكرم الرمضانى كما تعودت عليها صغيرا بين أهلى فلا تقتصر على ما يتخم البطون فحسب. الطريف فى الأمر أننى لم أرث عن أبى حبه للإنفاق المسرف فى شهر رمضان, فالزمن قد اختلف والدنيا لم تعد هى الدنيا التى كان يعمرها أمثال أبى عليه رحمة الله. ولكن ميراث الكرم العائلى لم ينقطع من بيننا, فقد ورثت زوجتى خصلة الاسراف عن أبيها العمدة الذى كان يفتح (دوار) العمودية لكل عابرى السبيل, ويقيم الولائم الدائمة للجميع طوال أيام شهر رمضان, تجسيدا لكرمه وكرم الشهر الفضيل فى الوقت نفسه. ولذلك تصر زوجتى على دعوة الأهل والأصدقاء طوال أيام رمضان, وتتفرغ تماما للاشراف على اعداد الطعام واختيار أنواعه والعناية بوجه خاص بمختلف أنواع الحلوى والأطايب الرمضانية. وبالطبع, تختل ميزانية المنزل, وأجد نفسى مضطرا لمواجهة انهيار الميزانية طوال أسابيع شهر رمضان, وكلما حدثت زوجتى عن التوسط, وانه إن كان على المسلم ألا يجعل يده مغلولة الى عنقه, فإن عليه فى الوقت نفسه ألا يبسطها كل البسط حتى لا يقعد ملوما محسورا, ولكن زوجتى لا تأخذ بأقوالى عن ضرورة الاعتدال فى الانفاق على ولائم الافطار, وغالبا ما ترد عليّ بالعبارة التى كان يرد بها أبى على لوم أمى, قائلة: (رمضان كريم). ولا أملك سوى أن أردد بينى وبين نفسى, حتى لا تغضب الزوجة العزيزة: ولماذا الكرم الرمضانى محصور فى الطعام وحده؟! ومن الذى جعل معنى الكرم مرادفا لمعنى الاسراف؟! وأذكر أننى حاولت مرة أن أحكى لزوجتى فى صباح أحد الأيام الرمضانية عن مفهوم الفضائل الأرسطية (نسبة الى الفيلسوف أرسطو) موضحا أن مفهوم الفضيلة لا ينفصل عن معناها الذى هو وسط بين رذيلتين فالشجاعة هى التوسط بين الجبن والتهور, والكرم هو الوسط الذهبى بين الشح والسفه. ولكن زوجتى لم تستمع الى ما حاولت اقناعها به, ولم يظهر على وجهها أى اهتمام أو حتى تأثر, وبدت كأنها لم تكن تسمعنى على الاطلاق. وقالت لى, بعد أن انتهيت من محاضرتها عن الوسط الذهبى الذى يقترن به معنى الفضيلة عند أرسطو, لا تنس أن تطلب من السائق أن يشترى لنا كذا وكذا وكذا وكذا, وحتى لا تنسى كتبت لك قائمة بكل ما نريده لمأدبة افطار اليوم, ومع السلامة, وتركتنى بعد أن رسمت على وجهها ابتسامتها التى لا أستطيع مقاومتها أو مواجهتها, وقالت لى: قبل أن أفتح الباب: رمضان كريم يا حبيبى. ولم أملك سوى الرد عليها بقولى: الله أكرم يا حبيبتى. وها أنذا أكتب هذه الخواطر قبل أن ينتهى شهر الكرم بأيام قليلة, وتصل الى سمعى أصوات (الراديو) الذى يصدح بالأغنية التى تقول: (والله لسه بدرى يا شهر الصيام) وأشعر أننى أودعه بالشكوى, فألوم نفسى, وأقول لها: لا يجب علينا أن نلقى بأخطاء أفعالنا على رمضان, فرمضان العزيز هو الشهر الفضيل, الحبيب الى النفس, الشهر الذى تصفو فيه النفوس, وتتطهر القلوب, وتسمو فيه العقول, فهو شهر الصيام عن كل ما يسيء الى معانى الايمان والتقوى والانسانية. ولكن نفسى اللوامة تواجهنى بقولها: ولكن لماذا ينقلب شهر الصيام الى شهر الطعام؟ ولماذا يتقلص معنى الكرم ويتحول الى ما يملأ البطون فحسب؟ ولماذا ازداد وزنك وانتفخت بطنك من كثرة ما غمرتك به زوجتك طوال أيام الشهر من لذائذ المأكولات التي لا تستطيع مقاومتها, خصوصا حين تقدمها اليك مصحوبة بابتسامتها البريئة التى تفترش وجهها وهى تقول لك: رمضان كريم يا حبيبى؟! أما اليوم ومع حلول عيد الفطر المبارك فهي لا تزال تردد العبارة بشكل آخر قائلة: عيد مبارك, وكل عام وأنت بخير يا حبيبي.. وهكذا الحال من رمضان إلى العيد. وكل عام وأنتم جميعاً بألف خير.. وعيدكم مبارك.