ومشاركتي في الانتخابات الرئاسية برهان على وجود ثورة مايو في وجدان الجماهير). هكذا يتبجح جعفر نميري حتى بعد مرور 15 سنة على سقوط وانهيار نظامه. لكن هذا التبجح للأسف بغير اساس. فالقيادات السياسية السودانية الحالية.. كلها تقريبا, من اقصى اليمين الى اقصى اليسار على مستوى الحكم والمعارضة, سندت نظام نميري في مرحلة اخرى وخدمته تعاونا وتحالفا. ولذا فإن هذه الزعامات حرصت عقب سقوط نظام نميري وحتى اليوم على عدم استفزازه بالقدر الذي يحمله على الرد. فلو تكلم نميري اليوم وسمح للاشرطة المسجلة في ذاكرته بأن تدور دون توقف لسمعنا العجب العجاب عن الاسرار المثيرة. ان مضي الحكومة في اجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في وجه مقاطعة شعبية شاملة لها يتقدمها قادة الاحزاب والمنظمات جميعا ــ عدا الحزب الحاكم بطبيعة الحال ــ فيه, اساءة بما يكفي الى الشعب السوداني. لكن الاساءة تتضاعف بالسماح لجعفر نميري بترشيح نفسه. قبل نحو عامين عاد نميري الى السودان بعد اقامة طويلة في مصر امتدت لثلاثة عشر عاما. وباتفاق مسبق مع القاهرة اصدرت الحكومة السودانية الراهنة قرارا يحظر رفع دعاوى قضائية ضد الديكتاتور السابق. الآن يتضح ان الحكومة ما كانت في الحقيقة بحاجة الى فرض ذلك الحظر. فالقيادات السياسية السودانية بمن فيها قيادات (التجمع) المعارض في الخارج والداخل احرص من الحكومة والقاهرة معا على سكوت نميري سواء في سباق محاكمة او غير ذلك خشية ان يفتح نميري ملفات تفجر قنابل متتالية من الاسرار الشنيعة. لقد تزامن وصول الرئيس نميري الى مصر عام 1985 مع لحظات اعلان اسقاطه في الخرطوم حين تسلم الجيش السوداني السلطة فأصبح وزير الدفاع الفريق عبدالرحمن سوار الذهب رئيسا للبلاد لفترة انتقالية. آنذاك كان الشارع الفائر في الخرطوم يطالب الحكم الجديد بأن يكون على رأس اجندته مطالبة السلطات المصرية بحزم بتسليم الرئيس المعزول لمحاكمته في الخرطوم. ولكن بينما كان المجلس العسكري الحاكم برئاسة سوار الذهب يتظاهر بالالحاح على القاهرة للاستجابة للطلب كان الجنرالات الحاكمون ــ وكلهم يدينون بمناصبهم لنميري ــ منهمكين في اتصالات خفية مع القاهرة لضمان بقاء نميري في ضيافتها الى الأبد. في عام 1986 عاد النظام الديمقراطي الحزبي بالكامل عبر انتخابات عامة اسفرت عن حكومة ائتلافية بين حزبي (الامة) و(الاتحادي الديمقراطي) ــ الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني. وتجددت المطالبة الى القاهرة بتسليم نميري. لكن الحكومة كانت تتحدث بصوتين: صوت المهدي الذي جعل من المطالبة بالتسليم القضية المحورية للعلاقات السودانية المصرية. وبسبب إلحاح المهدي ورفض القاهرة التجاوب معه توترت العلاقات وتدهورت. والصوت السوداني الثاني ــ صوت محمد عثمان الميرغني ــ كان يتناغم مع الصوت المصري الرسمي. فكيف نفهم ذلك؟ عدا فترة مصالحة قصيرة العمر لم يتجاوز عامين كان المهدي طوال عهد نميري مصنفا كعدو ثابت للنظام. في الوقت نفسه ظل الميرغني ولمدى 16 عاما متصلة هي عمر حكم نميري ليس مهادنا للنظام فحسب بل كان اكبر حليف له. ومساندة الميرغني للرفض المصري لتسليم نميري يمكن ان تفهم على وجهين: اولا, كان الميرغني بوصفه زعيم طائفة (الختمية) الحليف التقليدي لمصر حريصا على عدم اغضاب السلطة المصرية. ثانيا, وهذا هو الاهم, كان للميرغني اسبابه الوجيهة للتخوف من تداعيات محاكمة يحشر فيها نميري في زاوية فيضطر الى ان يرى كل شيء وأي شيء.