الحقيقة انني تعاطفت كثيرا مع فكرة المقاطعة العربية للبضائع والسلع الامريكية التي اطلقها عدد من المهتمين العرب, على خلفية دعم الادارة الامريكية لاسرائيل في قمعها للفلسطينيين. رغم ادراكي التام ان هذه الدعوة تحمل في طياتها الكثير من حسن النوايا الواضحة. ومرد التعاطف هو الى التوق الى عمل يشعل حماس الناس ويعطيهم قضية ملموسة يعملون من اجلها. فطالما افتقد المواطنون العرب الى قضايا واضحة وبسيطة يسهل التعامل معها وقياس حدود النجاح والفشل فيها. ان معظم القضايا التي تعامل الناس معها حتى الآن هي من النوع المعقد والذي يصعب حله بواسطة التظاهر او رفع الشعارات, ابتداء من القضية الفلسطينية وليس انتهاء بالديمقراطية والوحدة.. الخ. فإذا كان الكل يتفق على الغاية النبيلة الكامنة خلف تأييد هذه القضايا, فإن من النادر ان يتفقوا على تعريفها بصورة واضحة وعملية, فضلا عن كيفية الوصول الى حلول لها. واذا اخذنا القضية الفلسطينية مثلا فإننا سنجد لدينا كما هائلا من الآراء التي تدور حولها. فأولا ليس هناك اتفاق حول حدود المشكلة. ففلسطين قد تعني للبعض حدود الرابع من يونيو عام 1967, وللبعض الآخر فلسطين التاريخية بحدودها عام 1948. وهناك من يرى ان الحل قد يأتي عبر التسوية السياسية, في حين يرى آخرون ان الكفاح المسلح هو الحل, ويري ثالث ان الكفاح لا يعني بالضرورة حمل السلاح وانما هو كفاح شامل, سياسي واقتصادي وعسكري.. الخ, في حين يرى آخرون ان التسوية السياسية لا تعني بالضرورة المفاوضات الحالية او السابقة. وهناك من يرى ان تترك القضية برمتها للاجيال القادمة التي ربما تكون في وضعية افضل من الاجيال الحالية, تمكنها من حل القضية بصورة عادلة. فضلا عن ان هناك حلولا قديمة طرحت في السابق ولا يزال يتردد صداها حتى اليوم, مثل خيار اقامة دولة ديمقراطية علمانية واحدة وشعبين بصرف النظر عن تسميتها, فلسطين او اسرائيل, ويتفرع عن هذا الخيار خيار آخر وهو ان فلسطين هي لأهلها المسلمين والمسيحيين واليهود (من غير المهاجرين) ويملك هؤلاء وحدهم ان يجددوا شكل واسم الدولة التي يريدون اقامتها. هذا في حين ان هناك من يعتبر فلسطين كلها وقفا اسلاميا لا يجوز التصرف فيه من جانب اي كان. وهكذا فإنه رغم الاتفاق على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واقامة دولتهم المستقلة, ورغم الاتفاق على كون اسرائيل دولة محتلة ومغتصبة, فإن تعريف المشكلة سياسيا وطرق حلها تبقى مثار جدل واختلاف بين اغلبية العرب والفلسطينيين. وما يقال عن القضية الفلسطينية يصدق كذلك مع القضايا الكبرى الاخرى مثل الوحدة والديمقراطية وما شابهها. ولذلك فإنه وبسبب طابعها المعقد والمتشعب فإنه من غير المتوقع ان تشد الناس وتدفعها للعمل السياسي بصورة دائمة وفي كل الظروف والاوقات رغم عدالتها ورغم التعاطف الواسع معها. ولذلك فإن الاهتمام بقضايا بسيطة ومباشرة وملموسة وادارتها بشكل جيد, قد يكون اجدى في بعض الاحيان, وطريقا لانجاز القضايا معها. وعلى سبيل المثال فإنه فيما يتعلق بقضية الديمقراطية مثلا, فلو تحرك الناس بالاحتجاج على اعتقال داعية حقوق انسان او منع صحفي من التعبير عن رأيه او احتجوا على اجراء انتخابات شكلية او تعيين مجالس لا صلاحية لها بديلا عن المجالس المنتخبة, فإنه مع الوقت سيكون قريبا ذلك اليوم الذي تتحقق فيه الديمقراطية. ولو ركز الناس جهودهم على بناء المشاريع الصغيرة التي توحد بين العرب, كالطرقات الموصلة بين بلدانهم واصلاح نقاط الحدود والغاء بعض التشريعات المذلة والمهينة لكرامة العربي في معظم البلدان العربية... فإن قضية الوحدة سوف تتقدم خطوة الى الامام. اعود لموضوع مقاطعة البضائع الامريكية والاسرائيلية فأقول انني رغم تعاطفي معها من حيث المبدأ باعتبارها قضية واضحة ومباشرة, فإنني اجدها تحمل في طياتها الكثير من البراءة والنية الطيبة. فالمقاطعة هي سلاح فعال, لأنه يحرم الخصم احدى اهم ادوات تأثيره وقوته.. الاقتصاد. فالمصنع الذي لا يشتري الناس منتجاته لابد ان يفلس ويغلق ابوابه. والسلعة التي يرفض الناس استعمالها, تقل قيمتها مع الوقت وتبور. ولو كفت الدول عن الحروب وشراء الاسلحة لأغلقت المصانع وخسرت الدول المنتجة لها. وينطبق الامر على كل سلعة. فالمقاطعة تكسر القوانين الاقتصادية لأنها تضرب اصل الاقتصاد وهو الحاجة والاستهلاك. وقد استخدمت الكثير من الشعوب والحركات الاحتجاجية هذا السلاح على مر التاريخ لاجبار اعدائها على الرضوخ لمطالبها. بيد ان المقاطعة كي تنجح لابد ان يتوافر لها عدد من العوامل اهمها: 1ــ لابد ان تكون السلعة المراد مقاطعتها حيوية ومهمة بالنسبة للطرف الآخر. 2ــ لابد ان يكون حجم استخدامنا لهذه السلعة كبيرا وحيويا ومؤثرا في حسابات المنتج. 3ــ لابد ان يكون لدينا بديل للسلعة التي نريد مقاطتعها او قادرين على الاستغناء عنها اطول فترة ممكنة. 4ــ يجب ان يكون لدينا حساب دقيق لحجم الخسارة والربح من عملية المقاطعة. 5ــ يجب ان تكون المقاطعة مدعومة من الحكومات وليس الشعوب فقط. واذا طبقنا هذه العوامل على البضائع الامريكية المدعوين لمقاطعتها فما الذي سنجده! اولا: ان حجم استهلاك المنطقة العربية عموما من البضائع الامريكية ضئيل للغاية ولا يتعدى نسبة الواحد في المئة من الصادرات الامريكية الاجمالية لبلدان العالم. ثانيا: ان طبيعة المنتجات المدعوون لمقاطعتها وهي (الوجبات السريعة) و(المشروبات الغازية) هي منتجات امريكية اسما فقط, وليست حقيقة. فهي جميعها تصنع في المنطقة العربية عبر وكلاء ووسطاء محليين, بعد ان اشتروا امتيازها من الشركات الامريكية الام. وهذا يعني ان المتضرر الاساسي من المقاطعة سيكون الوكيل او الوسيط المحلي وليس الشركات الامريكية. ثالثا: ان هذه المنتجات لا تشكل رقما مهما في الاقتصاد الامريكي ودولة مثل الولايات المتحدة تستهلك عادة اكثر من ثلثي انتاجها, ومن الصعب ان تمارس ضدها عمليات مقاطعة حقيقية. خامسا: هناك من البضائع الامريكية انواع لا يمكن اعتبارها سلعا بالمعنى التقليدي, حيث يمتزج فيها ما هو حضاري بما هو اقتصادي كالكمبيوترات وبرامجها (مايكروسوفت على سبيل المثال) وكالطائرات والادوية والاجهزة الطبية وطيف واسع من هذه البضائع. ان حرمان اية دولة او شعب من هذه البضائع يعتبر عقابا في حد ذاته, فكيف الحال بمن يريد مقاطعتها! سادسا: ان عصب الاقتصاد العالمي اليوم لم يعد هو الخامات والصناعات المرتبطة بها كما كان الامر طوال القرون الماضية, وانما اصبح المعلومات والتكنولوجيا وكل ما يدخل في نطاقها. وسمة هذه الاخيرة انها منتشرة مثل الماء والهواء من حولنا. وبالتالي فإن هذه المجالات هي المؤثرة حقيقة, ومن يريد ان يقاطع عليه ان يفتش عن سلع من بين هذه كي يقاطعها. سابعا: ان الكثير من البضائع التي تنتج في الوقت الحاضر لا تحمل جنسية بلد بعينه. نعم قد يكتب عليها انتاج هذه الدولة او تلك, لكن في جوهرها هي نتاج نشاط عدد من الشركات والمؤسسات معظمها عابر للقارات والجنسيات. اخيرا وليس آخرا, كثير من الشعوب العربية في الواقع لا يسمح لها دخلها ووضعها المادي اصلا بشراء واستهلاك البضائع الامريكية,وباستثناء الدول النفطية (مثل دول الخليج) فإن معظم الدول العربية تستهلك في العادة بضائعها محلية او مصنعة في بلدان العالم الثالث, وهذا يجعلها بعيدة عن التأثير في ميدان المقاطعة من الناحية الفعلية. وهذا فإن شعار (مقاطعة البضائع الامريكية) لا يمكنه ان يؤثر في السياسة الامريكية او يدفع صناع القرار في الولايات المتحدة لاعادة النظر في سياساتهم تجاه اسرائيل او غيرها من البلدان. لكن هل يعني ذلك ان فكرة المقاطعة خاطئة بذاتها؟ بالطبع كلا, فهي كما قلنا احد الاسلحة الفعالة في ايدي الشعوب, لكن من المهم معرفة كيفية استخدامها على نحو مفيد وصحيح. فضلا عن ان شعار المقاطعة العربية للبضائع الامريكية, وعلى الرغم من طوباويته يحمل معنى ايجابيا هو ذلك المتصل بمحاولة انهاض الهمة العربية وتعويد الناس على الاعتماد على ذاتها وخلق مصيرها بنفسها, ولا ينقص منه ان تخون الناس صحة الاختيار, او تعوزهم الخبرة والتجربة, فالمبدأ يظل هو الاهم.