(تصور الأمريكان أن الديمقراطيات الناشئة فى شرق أوروبا ستعيش لحظة (الأب المؤسس) فكان أن عاشت عقد الأب الروحى زعيم المافيا..) (الستار الحديدى) هو التعبير الشهير الذى سبق الى صكه ونسترن تشرشل فى خطاب شهير ألقاه فى احدى المدن الأمريكية. وكان ذلك فى الفترة التى أعقبت مباشرة انتهاء الحرب العالمية الثانية. ومن يومها دخل المصطلح الى قاموس السياسة الدولية وأصبح من ثم أحدى المفردات الشهيرة فى أدبيات الحرب الباردة علما على النظم التى حكمت الاتحاد السوفييتى وتوابعه من دول شرق أوروبا.. واصفا اياها من وجهة النظر الغربية بأنها نظم شمولية بمعنى ديكتاتورية وانها فرضت بحكم سيطرة الأحزاب الشيوعية الحاكمة فيها عزلة (ستارا حديديا) على شعوبها لتعزلها كما زعمت الدعايات القريبة وقتها من الاندماج أو التواصل مع مايسود (العالم الحر) من تيارات وأفكار ونظريات وطروحات (وكان العالم المسمى بـ (الحر) هو عالم غرب أوروبا وأمريكا الشمالية بطبيعة الحال. ولقد ظلت عبارة ( الستار الحديدى ) بمثابة ورقة ضغط أحيانا وتشهير أحيانا أخرى يمسك بها الغرب ويلوح بها امام دول المعسكر الشرقى ويشن بواسطتها حملاته الاعلامية من خلال ميديا غربية كانت متقدمة وفعالة وكان فى مقدمتها راديو (أوروبا الحرة) داعيا شعوب المعسكر الشرقى السوفيستى الى أن تحطم هذا الستار وان تخرج من ثم كما زينت لها تلك الدعايات الى فضاء الحرية الطلق النقى والى فردوس الخلاص المنشود ولو على طريقة الغرب. زادت الدعايات وعندما دخل العالم عصر الاتصال الفضائى بالأقمار الاصطناعية زادت هذه البروباجاندا الغربية فعالية, وكفاءة لانها ببساطة تمكنت من نقل اسلوب الحياة فى أمريكا بالذات الى روسيا بالذات أيضا. يومها لم يسع المواطنون الروس سوى اللجوء الى منطق المقارنة بين أسلوب الحياة فى روسيا وفى أمريكا.. شاهدوا معجبين ولا شك أسلوب السوبر ماركت والمجمع الانتخابى وغياب الرقابة عن وسائل الاعلام.. وتقليل وربما تضئيل دور الدولة فى حياة مواطنيها وقارنوا هذا كله بأسلوب طوابير المواطنين فى شوارع موسكو الباردة للحصول على مقرراتهم من مواد الغذاء وضرورات الاستهلاك.. وقارنوه أيضا بالرقابة المفروضة من جانب دولة الكرملين بظلها الثقيل فى مجالات الميديا والسياسة والحياة الحزبية وغيرها. وطبعا كانت المقارنة فى صف الأمريكان الذين لم يكذبوا كما يقولون خبرا بل زادت دعاياتهم شراسة وضراوة وكان محورها طلبا أساسية يقول لأهل الكيان السوفييتى فى روسيا وتوابعها: أيها الرفاق.. عليكم أن تحطموا الستار الحديدى الذى تعيشون فى داخله. ومن عجب أن سقط الستار الحديدى, لا فى ضوء طروحات الغرب الرأسمالية, بل وفق قوانين النظرية الماركسية التى كانت تنظم الحياة السياسية الاقتصادية الحزبية عند الخصم الاشتراكى أو الشيوعى. التغير الكمى والكيفى و كان فى مقدمة هذه القوانين مايستعير قوانين التغير الكمى والكيفى فى علوم الفيزياء الطبيعية. وهذه الاستعارة هى الاضافة التى قدمها العالم الانجليزى فردريك انجلز الى نظريات صديقه وزميله الألمانى الأصل كارل ماركس.. وتقول بان التغير الكمى يؤدى بالتراكم الى تغير كيفى.. الا ترى يقول انجلز الى الماء وهو جوهر المادة الموجودة امامنا فى الطبيعة تزداد درجة حرارته كميا من عشرة الى خمسين الى تسعة وتسعين.. وعندما يعتريه هذا التراكم الكمى (فى درجات الحرارة) يؤذن الماء بتغيرات نوعية تحدث أسلوب الطفرة.. وتقع هذه الطفرة عندما يزداد تراكم التسخين من درجة 99 الى مائة فاذا بالماء يتحول كيفيا من سائل كما هو بديهى الى شكل آخر من أشكال المادة وهو البخار.. نفس التراكم الكمى اذا ماتم بالناقص من تسعة وتسعين الى عشرين أو عشرة قد تصل درجة حرارة الماء مثلا الى درجة واحدة فقط على مقياس الترمومتر. ثم تحدث الطفرة التى قال بها السيد انجلز عندما تتحول الدرجة الواحدة الى الصفر وماتحت الصفر. فإذا بسائل المياه يتحول كيفيا الى شكل أخر هو الثلج الصلد المتماسك.. وماكان أسهل تطبيق هذه البديهيات العلمية على تطور المجتمعات البشرية. حين قال ماركس من وجهة نظره بان هذه المجتمعات يعتريها تغيرات كمية تزداد بالتراكم.. مابين ظلم متزايد أو صراعات طبقية متفاقمة أو انماط من الوعى يتسع مداها تعمق مضامينها لتشمل قطاعات أكثر وأكثر من مجموع الناس.. وتعمل هذه التغيرات الكمية الى المرحلة التى تفاجأ الأطراف جميعا وهى مرحلة التغير الكيفى حين تقع المطالبة بنظام سياسى جديد أكثر انصافا وعدلا.. وبمنظومات فكرية وسلوكية جديدة يتغير بها شكل الحياة فى دنيا القيم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والفن والأدب على السواء. لقد زادت متغيرات الوعى عند شعوب الستار الحديدى وخاصة خلال عقد الثمانينيات وهو العقد الذى شهد, بمصادفة تاريخية تفجر ثورة الاتصال والاعلام الى حيث بلغت ذرا غير مسبوقة فى تاريخ البشرية سواء فى مجال البث الكوكبى باستخدام الأقمار الصناعية التى اوصلت (الصورة) بكل خطورتها وفعاليتها الى عقر دار تلك الشعوب السوفييتية فى روسيا وأوروبا الشرقية, أو من حيث التطور المذهل فى أجيال الحواسيب (الكمبيوتر) وفعالية استخدامها حين بدأت توضع بأسلوب البريد الالكترونى موضع الاستخدام كوسيلة اتصالية ناجحة آنية وغير خاضعة لأى رقابة من جهاز الدولة العتيد, مع ماسبق ذلك أيضا من استخدام الفاكس وسيلة اتصالية ترتبط بهذا القدر من الفعالية, من حيث السلامة والاستخدام. وجاءت الطفرة ولم يكن مصادفة أن جاء عقد الثمانينيات ليشهد فى عام 1989 طفرة التغير الكيفى الذى اعترى الأوضاع الحاكمة فى الكيان السوفييتى وكانت هذه الطفرة هى سقوط وانهيار حائط برلين الشهير الذى جاء رمزا لسقوط المنظومة الشيوعية بأسرها أو بالاصح تساقطها نظاما وراء آخر.. وجاء هذا التساقط بفعل التأثر الذى سرى مسرى التيار الكهربائى مابين نظام سقط ليستدعى سقوط نظام مجاور له لدرجة أن قال البعض وقتها أنه جاء وفقا لنظرية الدومينو الشهيرة, وهى نظرية غريبة هذه المرة تتداعى فى ضوئها مفردات المنظومة السياسية, بفعل التأثر المشترك والتأثير المتبادل, تماما كما تتداعى فى السقوط أمجاد لعبة الدومينو اذا ما اعترى السقوط الأول أحجارها. ولأن الأمريكان قوم متفائلون بالطبيعة.. وهو تفاؤل يرجع كما نتصور من جانبنا الى حداثة عهدهم نسبيا بخبرات التاريخ فقد تصورت مدارس العلوم السياسية الأمريكية ان تحطيم الستار الحديدى على نحو ماشهدته أوائل التسعينيات فى الاتحاد السوفييتى وأوروبا الشرقية سيكون مرادفا بالضرورة الى أن ينبغ بين صفوف الرفاق السابقين فى المعسكر الشيوعى الذى كان.. زعامات جديدة.. بناءة.. واعدة.. تاريخية تتولى ارساء دعائم البناء المبشر الجديد بوعود الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان فى التعبير والتجمع والحركة والسفر وانشاء المشروع الاقتصادى الخاص.. الى آخر ما تحفل به الجعية الرأسمالية الغربية من نظريات وطروحات. تصوروا زعامات تخرج من بين الصفوف لتبنى الصرح الجديد.. وتكون مثلا من طراز جورج واشنطن أول رئيس زعيم لأمريكا.. أو توماس جيفرسون الذى كان على رأس المشرعين من حماة الدستور الأمريكى. أمنيات أمريكية وكم كان أهل السياسة والفكر السياسى فى أمريكا يعقدون هذه الآمال العراض فى فجر عقد التسعينيات وكم حفلت الأدبيات التى ان تجوها بتلك الأمال والوعود والتنبؤات والأمانى العذبة بل وصل الأمر الى حد أن سافر بعضهم طواعية أو تم ايفاد البعض الآخر فى مهام رسمية تعمدوا أن تكون بعيدة عن الأضواء الى أقطار المعسكر السوفييتى الذى انهار للمساعدة على مخاض المولود الديمقراطى الجديد.. الذى سوف يتخلق كما كانوا يأملون أو فلتقل كما كانوا يراهنون وليدا طال انتظاره لكى يملأ الدنيا السوفيتية السابقة البائدة بشعارات الديمقراطية ولافتات حقوق الانسان واقتصاديات السوق التى تلعب أدورها تحت أقواس الخصخصة فيما هى تدير آلات الشتم والادانة لكل ماكان فى ماضى الحقبة السوفييتية من رقابة وشمولية ومصادرة على مبادرات الأفراد. الى أخر ما اصطنعوه فى مستهل التسعينيات من ضروب التشهير بالماضى الذى عمدوا الى تجميله كل الأوزار والآثام.. (وماكانوا فى هذا موضوعيين علميين.. برغم ماحفلت به الحقبة المذكورة من اخطاء بلغ بعضها درك الخطايا السياسية.. ولكن كان لها ايجابياتها مثل أى نزوع انسانى وكان فى مقدمتها مثلا اقرار الضمان الاجتماعى للناس وخاصة عامة مواطنيهم بما كفل التأمين للفرد فى حالات المرض أو العجز أو البطالة أو الشيخوخة.. وكان فى مقدمتها أيضا الاهتمام بعنصر العمل الجماعى والابداع الجماعى وتكريم الأطفال والأمهات والأفراد المنتجين ورعاية الموهوبين من ابناء المجتمع عبر مجالات الموهبة والابداع المختلفة من الرياضة الى فن الحركة الايقاعية (البولشوى مثلا) ومن علم الرياضيات الى غزو الفضاء) يلتسين فى الكرملين ومع هذا كله فقد توالت سنوات التسعينيات ومازالت آثارها باقية فى شرق أوروبا وفى روسيا لكى تتبدد معها الآمال التى عقدها الأمريكان ولكى تخيب معها حسابات التفاؤل والمراهنة التاريخية وجاءت مرحلة يلتسين فى الكرملين الروسى تجسيدا لكل هذا التبدد.. وكل هذا السراب و كل هذه الخيبة التى منيت بها الفرقعات الغريبة الأمريكية سواء على مستوى النظرية أو من حيث التنفيذ أو التطبيق. وهكذا أصيب علماء السياسة ومحللوها فى واشنطن بمايشبه صدمة التوقعات ولعلهم لايزالون يعانون من آثارها أو لمقابيلها. ويعبر عن هذه الصدمة واحد من كبار خبراء الشئون الدولية الأمريكيين هو الصحفى ب.فى أورورك الذى نشر مؤخرا دراسة مهمة فى هذا الشأن (مجلة السياسة الخارجية فوريس بوليس عدد ديسمبر 2000) وقال فيها: عندما انهار الستار الحديدى, ظنت كثرة من الأمريكان المعنيين بالامر أن الأقطار الشيوعية السابقة سوف يكون لها ذلك الطراز من الآباء المؤسسين الزعماء الكبار من بناة الدول ومشيدى صروح الأمم.. نعم تصورنا ان تلك الديمقراطيات الناشئة فى شرق أوروبا سوف تعيش لحظة (الأب المؤسس) ولكنها بدلا من ذلك عاشت عقدا كاملا من السنين لم يشهد حلم الأب المؤسس بل عايش كابوس الأب الروحى. جود فاذر.. وبدلا من زعيم الأمة كان لها زعيم المافيا وبالتحديد جود فاذر رقم ثلاثة.. وهى آخر حلقات فيلم الأب الروحى المافيوزى الشهير ويعرض لأشد انماط زعماء المافيا رداءة وجشعا وخبثا وتدميرا وتجاهلا لكل الاعراف التى تواضع عليها الآخرون حتى ولو كانت نوسا كوسترا أعراف المافيا ذاتها. وقد اتسم هذا النمط من زعماء المافيا الذين امسكوا بمقاليد الأمور (فى الأقطار الشيوعية السابقة) بسلوكيات من العنف الأحمق غير المبرر وسوء التصرف العابث من جانب اللاعبين الرئيسيين على مسارح السياسة وا لعمل العام بوضع اسوأ العناصر معدومة المواهب فى مواقع السلطة الرئيسية فى البلاد وبالانغماس فى الاحابيل التافهة والمؤامرات الصغيرة عند أعلى مستويات الحكم. (تأمل مثلا الكرملين الروسى فى عهد يلتسين ونوعيات البشر الذين كانوا يحكمون روسيا من أروقته بأسلوب عصابة الأفاقين المتآمرين على اقدار بلد كان غنيا بالموارد مرهوب الجانب فى الساحة الدولية. فحولوه الى بقايا وطن من حيث الضعف والتفكك وسوء الادارة الاقتصادية والديون. دور المافيا وهكذا يضيف الأستاذ أورورك أصبح الفساد المستشرى الضارب اطنابه كما يقولون علما دالا على مابعد الحقبة السوفييتية (على خلاف ماسبق اليه الساسة والمفكرون والمحللون الأمريكان من توقعات ومراهنات). ودخل الى تلك الحلبة المقيتة زعامات المافيا الجديدة فى روسيا لكى يمارسوا التأثير المحترف على عمليات بيع ممتلكات الدولة ومؤسسات القطاع العام ويحولوها الى كيانات منهوبة مسلوبة ومستباحة لصالحهم وبابخس الأسعار ولكى يحملوا الحكومات بالرشوة والفساد الى منحهم قروضا من مؤسسات التسليف الحكومية بأقل الشروط وبأكثر التسهيلات التى لا يستحقونها بل ومنهم من انشأ بنوكا كاملة استخدم فيها المال العام المنهوب المستباح وماكان من الحكومات, وقد كانت مطية أيدى هؤلاء الحاكم والمتحكمين الجدد الا ان سنت قواعد ولوائح واهية مستضعفة لكى تتيح العمل لهذه المؤسسات المصرفية المشبوهة وفى بعض الحالات يؤكد الكاتب السياسى الأمريكى كان الامر يسفر عن غياب أى ضوابط أو لوائح من الأساس وبلغ الأمر الحد الذى جعل بلدان شرق ووسط أوروبا عبارة عن مغسلة هائلة لتبيض الأموال المتأنية من مصادر مشبوهة أو مكسوبة بالسرقة الصريحة والاحتيال السافر والسلب بغير ما قيود أو روادع أو حدود. وكان ذلك كله على حساب مناطق كانت ترزخ فى تلك الأقطار تحت نير التخلف أو انها تعرضت لنزح موارد واستنزاف امكانات فى عملية رهيبة من السرقة التاريخية المنظمة حيث تحالفت سلطة عاجزة مع عناصر جشعة كانت تتحين فرصتها عبر سنوات طوال وكان الناتج هو منظومة فساد غير مسبوقة فى التاريخ وفى الاطار هذه المنظومة يضيف الصحفى الأمريكى الكبير فى دراسته ثم حولت الى الخارج مبالغ هائلة لم يتسن تقصى آثارها أو تتبع مساراتها.. وهو ماتجسده حقيقة بشعة تقول تحديدا وبالأرقام: من روسيا وحدها وفى مدى 5 سنين فقط.. حولت منظومة الفساد السياسى الاقتصادى الى خارج الحدود مبلغا لا يقل عن 100 مليار من الدولارات. ويعلق الكاتب الأمريكى على ذلك فى تهكم واضح حين يقول: ومن عجب أن صندوق النقد الدولى كان يزود روسيا فى نفس الفترة (عصر يلتسين) بقرض بلغ حجمه 15 مليار دولار وكم كان بودنا أن نقول أن كان من الأوفق لصندوق النقد الدولى أن ينفق هذا القرض السخى لتنظيم حملة اعلانات ودعاية تقصد الى اقناع المافيا ان الجريمة المنظمة الروسية الى أن تجعل نشاطها وتعصر مشترياتها داخل حدود روسيا ولا تنزح الأموال الى خارج تلك الحدود. * كاتب سياسى فى مصر (يتبع)