إن من ابناء هذه الدولة جيلا, كاتب هذه السطور من بين افراده, استطيع ان اطلق عليه اسم الجيل الشاهد على تحولات هذا البلد من الفقر الى الغنى من التفرق الى الوحدة من اللا دولة الى الدولة والهوية, ذلك هو الجيل الذي جاء والناس قد اقعدتهم تحولات العالم عن مهنتهم الشهيرة, الغوص واستخراج اللؤلؤ, وبعد كساد تلك السوق العالمية للؤلؤ الطبيعي إثر تربية اليابانيين للؤلؤ الصناعي بكثرة حتى ما عاد للطبيعي منه قيمة وميزة. في هذه الفترة ولدنا نحن جيل التحولات في نهايات الخمسينيات وبدايات الستينيات, والحديث هنا لا أقصد به الكلام عن التحولات العالمية الاقتصادية ولكنني اقصد به تحولاتنا نحن الاجتماعية على اثر ذلك وتقلبات الدهر التي كانت تنذر بكساد في سوق اللؤلؤ مما جعل اهل هذه البلاد يصابون بخيبة امل لذلك جعلت الواحد منهم بعد ان كان غواصا او بحارا ماهرا عاملا ينقل الطابوق والسلع على موانىء بعض دول الخليج ولا اظن الا ان اهل هذه المنطقة كانوا في حيرة مما سيحدث بعد ذهاب حرفتهم الأثيرة على نفوسهم, تلك الحرفة المتميزة التي برعوا فيها فكانت مجال تنافس بينهم وتفاخر, فليس كل رجل يستطيع ان يكون غواصا او بحارا ماهرا وكانت تلك المهنة مثيرة متاعبهم ومحط انشغالهم ومدعاة اشعارهم فلا يكاد يخلو تراث الشعر النبطي الاماراتي من قصائد طوال تعد من عيون الشعر النبطي مما تفيض به قرائح أولئك الكادحين الغواصين الشعراء مما يدل على رقة طبع في أهل هذه المنطقة برغم قسوة الحياة وشظف العيش. ويبدو ان قسوة الحياة وشظف العيش يورثان الناس احاسيس ومشاعر ملتهبة تجعل منهم شعراء, وعلى العكس من ذلك فإن قسوة الانسان على اخيه الانسان لاتورث فيه تلك الرحمة ولا تلك الرقة التي تورثها قسوة الحياة لان قسوة الحياة والمعيشة هي من تصاريف الرحمن التي لاتخلو ـ وان قست ــ من رحمة, في حين ان قسوة الانسان هي من ظلم الانسان الذي ليس في باطن شدته رحمة تورث الرحمة. وهكذا كان لذلك العصر والعهد شعراء رقيقون تغنوا بالغوص ومعاناته وما يسببه من فراق غناء جميلا خالدا نتوارثه نحن أبناء الامارات جيلا عن جيل وليس أشهر في ذلك من قصيدة سعيد بن عتيق الهاملي وقد نودي بالرحيل الى الغوص: صَاحْ ابْزَقِرْ لمَّنَادي بخطُوفه يومْ السفنَ بتْشل غِمَّسْ على لِفْوَداي بِالْكُوفه ولا وَادَعَهْ بالحل وَيْنَ اقْمِرِي لِمْجَادي ما شُوْفَه لَيْ نُوْرَه مِعْتِزِل لِيْ مِسْقِّي وِدَادِي بِكْفُوفَه عَلَّهْ عِقْب النَّهَلَ اللَّيْ قَبِلْ مِتْبَادي لاَ حَوفَه إِنْ ميَّحن لقْذَل وهذا شاعر آخر هو الرقيق المتأوه دائما خلفان بن يدعوه يتحسر وقد ضاق به الفضاء الرحب عندما حانت ساعات الرحيل في سفينة الغوص لا خوفا من الغوص وتعبه وآلامه ولكن لفراقه بسبب الغوص لمن يحب: واحَسِرْتِي ضاقْ الْفضا بي يومْ ابعدوني عنْ حبيْبي في خنّْ ساعي ملْخَشابي سَلْج أوْ مَجْرَاه الْمغْيِبي ما همِنْي غُوص ولا بي بَرْدِ وَلا غِزز الْغبيْبي لِيْ صاحب وَصْلَهْ ثِوَابي مَا هُوبْ مِزْراتِ أوْ عَيْبي يخْتَالْ في بِرْد الثَّيَابي إنْ هب لِهْ شَرْتَا لِغرَيْبي رَيَّانْ مِنْ فَرْط الشَّبَابي مَعْ ذَا ولهْ شَيء عَجيبْ خِصْر هِضيْم أَوْ كَشحْ نَابي والْعودْ كَالْغِصِنْ الرَّطيْبي عَلَيْه وَضَّاح لَنْيَابي سَلامْ مِنَّي بتعْريْبي أَلَذْ مِنْ ذُوقْ الشَّرَابي وآخَنْ مَنْ مسْج أَوْ طِيْبي هكذا كان اهلنا واجدادنا الذين عانوا مهنة الغوص التي احبوها وكرهوا آثارها فجئنا نحن بعدهم وقد بدأوا ينفضون ايديهم من تلك المهنة ويجففون ثيابهم من رطوبة البحر حائرين لايعلمون ما الآتي أهو العمل المهين الذي لا مناص لهم منه عند سواهم من الدول المجاورة أم ماذا؟ ولم يعلموا بهذا الخير الذي عم البلاد والعباد بعد ذلك وقد علمه من عاش وطال به العمر حتى فاض ذلك الخير وعم ولقد ظلت ايام ماقبل ذلك ذكريات منها الحلو والمر, والمر على مرارته لانه من تقدير الرحمن له حلاوة الذكرى الباقية؟ وان من اجمل تلك الذكريات ذكريات العيد التي لاتزال تراود خيالاتنا نحن أبناء تلك الايام البعيدة القريبة من الروح, العيد الذي كان أبسط ولكنه أوقع في النفوس, ذلك العيد الذي أجمل صوره اطفال بسطاء في كل شيء يلعبون على حدود الحي في ظل نخيلات وارفات أو شجيرات ظليلات في مراجيح من حبال يشترون من بسطاء الباعة القليين حلوى ما كان اشهاها وأحلاها على بساطتها وقلة تنوعها بملابس بسيطة رخيصة الثمن غالية القدر في الارواح لانها جديدة, وهكذا تلوح لنا تلك الظلال البعيدة من تلك الصور القديمة ثم تتلاشى في كل عيد وتظهر صور هذه المراكز الضخمة وضجيجها وهي تعج بألوان البشر والاشياء والناس التي آخر القول فيها انها غريبة علينا وضاعت فيها هوية اطفالنا. العيد هذا الذي لولاه ما سكنت ارواحنا الذكريات البيضُ والصورُ يأتي سلاما حماما لائذاً أبداً بالروح والروح دوح هائم نضِرُ