يا له من قرن خارق! ما هي الشعارات وما هي النعوت التي نضعها فوق جثمانه ونحن نودعه؟ قرن غريب عجيب. تخللته حربان كونيتان ومجازر لا تحصى. نشأت فيه آفتان من آفات الفكر البشري ثم ماتتا فيه: الشيوعية والنازية. ولعل الصهيونية وهي ابنة لهذه وتلك تكون الآفة الثالثة ونحن نعيش احداث ثورة شعب فلسطيني ضد آخر استعمار مباشر قذر يدنس عرض الانسانية. انه قرن عجيب! جمع بين ميلاد القمر الشيوعي الذي اعلن منذ عام 1917 دكتاتورية الطبقة الكادحة ونهاية التاريخ وموت الرأسمالية وتحول ذلك القمر الى اذلال شعوب كاملة تحت شعار المساواة وكانت مساواة في الفقر والعبودية. ودامت دبابات السوفييت ثورة شعب المجر في بودايست 1956 وثورة شعب تشيكوسلوفاكيا في براغ عام 1968. كل محاولات التحرير اجهضت في القمة لكنها نجحت في الشوارع والساحات وهدم شباب الالمان جدار برلين وانهارت الشيوعية كقلعة من الورق وانتصرت الحريات. وكان مصير النازية موازيا لها. فقد نشأت العقيدة العنصرية في الثلاثينيات وبلغت سدة الحكم في ألمانيا وايطاليا ووضعت ملايين الناس في المحتشدات, مثلما فعلت الشيوعية في الغولاغ. وانهزمت النازية وقامت على انقاضها قوة الامبراطورية الامريكية الواحدة التي ورثت ممارسات القهر في عهد ما بعد الحرب العالمية حين شجعت الامبراطورية انظمة عسكرية مستبدة تسلطت على رقاب الناس في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية في عصر عقيدة جون فوستر دالاس وحين ذهبت امريكا بجيش جرار الى فيتنام لاخضاعه وابادته ثم حين ايدت ودعمت القمر الصهيوني لشعب فلسطيني في نوع من انواع العمى التاريخي المعروف الذي يضل القوى الخارقة المتعاظمة ويأذن عادة بانهيارها في قانون حضاري مشهور منذ سقوط روما الى سقوط الاتحاد السوفييتي ياله من قرن خارق: رياح الاستبداد تصدها عواصف الحرية. استعمار الشعوب توطد وتوسع وجاءت المقاومات هنا وهناك تجتثه من جذوره. الفكر الاستعماري قابله فكر تحرري. كلما دجنت الشعوب هبت انواء الحرية. باسم الاديان والقوميات والوطنيات واللغات والتاريخ. قرن رأي تسلط فرنسا وبريطانيا على شعوب مستضعفة ثم انهارت الامبراطوريتان وتقلصتا الى حدودهما الاوروبية. ولكنهما تركتا المجال للعملاق الامريكي الذي اصبح يروج عولمته الامريكية في كل شيء من اللباس للاكل للصناعة للتكنولوجيا للثقافة للفكر. وهبت رياح الحرية من فرنسا ذاتها ضد هذا النوع من العولمة. قرن عاشه العرب كذلك موزعين بين طبائع الاستبداد ونوازع الحرية. مقاوعة للاستعمار ورفض للقهر وتطلع للعدل. عاش العرب ظهور ثم ضمور القومية كما عاشوا صحوة الاسلام وهم مجتمعون اليوم حول نصرة آخر مشهد في مشاهد مقاومة الاحتلال في فلسطين. وعاش العرب كذلك نكبة 48 وهزيمة 67 وكارثة اغسطس 90 ويعيشون اليوم نخوة الثورة ضد الظلم والقهر في القدس وأكنافها وهي ثورة ستخترق حاجز القرن القريب المقبل لانها تبشر بميلاد جيل جديد, جيل عربي صامد يأخذ المشعل من جيل الثورات السابقة والامجاد الغابرة, حتى يكون القرن المقبل افضل وأجمل وأرحب تشرع فيه اجنحة الحرية.