ونحن ننعم بأيام شهر رمضان الكريم وبقدسيته المعهودة, اقتضى الواجب سفرنا الى مدينة باليرمو (جزيرة صقليا) لحضور المؤتمر الخاص بالتوقيع على اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية, الذي عقد أخيرا في هذه المدينة الايطالية. وقد شاركني في انجاز هذه المهمة, زملاء افاضل قدموا من دولة الامارات وتحملوا عناء السفر لرصد المستجدات والمواقف ذات الصلة بالاتفاقية المذكورة ولتفحص كل ما يتعلق بالبروتوكولات الملحقة بها. ورغم ما احيط بنا, خلال ايام المؤتمر من مؤثرات في بيئة اجتماعية, لا يمكن وصفها بأنها روحانية او مثالية للصيام والبر والتقوى, الا اننا استطعنا بحمد لله, ان نتجاوز المغريات بالتمسك بأهداب الفضيلة والالتزام بالقيم الدينية والسلوكية دون ادنى تفريط, وكان اسعد اوقاتنا لحظة الافطار حيث نلتقي في رواق بمبنى المؤتمر, لانهاء الصيام بتمرات معدودة يخرجها احدنا من جيبه, ويوزعها على زملائه لتناولها مع كأس من الماء.. لنجتمع بعد اختتام جلسات المؤتمر في مطعم (تونسي) لتناول ما تيسر من طعام (الافطار ــ الاسحار). وخلال هذه اللقاءات الودية, كان يدور حديثنا حول صعوبة البعد عن الاهل والوطن في هذا الشهر المبارك, وحول المسائل ذات الصلة بقضايا الساعة. وكثيرا ما تطرق الحديث عن واقعنا العربي الراهن, لا سيما ظاهرة عدم التزام بعض الدول العربية بالمقررات والتوصيات التي تصدر عن مجلس الجامعة العربية... الامر الذي يفقدنا ميزة الافضلية والهيبة في المؤتمرات والمحافل الدولية. وتوقفنا طويلا عند موضوع انتفاضة الاقصى وتطورها واهدافها, خاصة وإنه خلال الندوات والمناقشات التي دارت على هامش المؤتمر, حدثت مداخلات من بعض ممثلي الدول (الاوروبية), الذين عبروا عن استيائهم واستنكارهم للعدوان الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني بشكل يومي. قال احد الحاضرين: يبدو ان الانتفاضة هذه المرة, هزت المنظمات والهيئات الدولية في الغرب واثارت حفيظتها بشكل لم نعهده من قبل. وبدأ ينهار الحاجز الذي اقامته الصهيونية امام الرأي العام العالمي, لحجب الرؤية عما يجري داخل الاراضي العربية المحتلة من انتهاكات لابسط الحقوق الانسانية. كما بدأ المواطن الاوروبي يشعر بأنه ليس من العدل انزال الظلم بشعب بريء, على حساب دفع الظلم عن اليهود الذين تم اضطهادهم في الغرب. كما وأصبح يدرك بأن هذا الشعب عاش مشردا وصبر على الحرمان والشقاء لمدة طويلة, وعندما اكتشف ان وعود الحكومات والمنظمات الدولية ليس الا خديعة, وأصبح لم يعد لديه شيء يخسره بعد ان خسر الارض والوطن, انتفض وقرر محاربة العدو بكل الوسائل المتاحة. قال آخر: هذا صحيح, ولكن اي مواجهة يجب ان تخضع لميزان الربح والخسارة, وما يجنيه طرفيا النزاع من مكاسب سياسية واعلامية وعسكرية واقتصادية. ولو اخضعنا الانتفاضة لهذا المقياس لوجدنا انها استأثرت باهتمام الرأي العام العالمي, باعتمادها اساليب لم تألفها البشرية من قبل وجاءت الاعمال البطولية التي نفذها اطفال الحجارة فوق ارض فلسطين, والمشاهد اليومية للضحايا من نساء واطفال, لتهز الضمائر ولتصبح حافزا لرفع معنويات الجماهير العربية, بعد ان اوجدت تغييرا جذريا في سلوكهم وتفكيرهم.. بحيث اصبح استمرار الانتفاضة يبشرة بولادة العربي الذي يتحدى القدر ولا يرضى بالهوان. كان الرأي العام العالمي (لا سيما في الغرب) حتى عهد قريب, يجهل كل شيء تقريبا عن واقع الوجود الفلسطيني, ويجهل ما انزل به من تعذيب في السجون والمعتقلات فضلا عن مظاهر الظلم والحرمان الذي يعانيها على ارضه وفي الشتات. وكان ذلك يعود لسببن جوهريين, من جهة ضعف, الاعلام العربي في الخارج, ومن جهة ثانية, سيطرة الصهيونية على وسائل الاعلام العالمية, حيث دأبت على تشويه وجودهم الاجتماعي والحضاري وابراز الشعب العربي الذي يساندهم, بأنه مجتمع متخلف يقضي وقته في ركوب الجمال والانغماس في ملذات الحياة. ولكن في الوقت الذي استطاعت انتفاضة الاقصى بنتائجها الايجابية في مجال الاعلام الذي رافقها ان تؤكد حقيقة الوجود الفلسطيني, فإن هناك جوانب سلبية يجب ان نمعن النظر فيها بجدية. فالضحايا البريئة من شبان واطفال الانتفاضة الذين تراق دماؤهم البريئة يوميا, لا شك انه يمثل مأساة حقيقية واستمرار هذه المأساة يتحمله العرب (قيادات وشعوبا) والعالم بأسره (ولو بنسب مختلفة). ولكن المرء يتساءل بارتياب, لسماع عذرا معقول ومقبول يبرر ظاهرة سقوط هذا الكم من الضحايا من الجانب الفلسطيني فقط, وتفسير لغز عدم التصدي لرصاص القناصة (الاسرائيليين) الذين يتصيدون من يرغبون قتله على نحو متعمد, دون الرد عليهم بطريقة مماثلة. ثم انه في الوقت الذي نشاهد فيه (على شاشات التلفزة) الاطفال والنساء من ابناء الشعب الفلسطيني يجمعون ويرمون الحجارة, وبعضهم يستعملون اداة (اطفال) لقذف الحصى على الجنود الاسرائيليين المدججين بكل انواع السلاح, نشاهد بدهشة واستغراب في بعض العروض والمسيرات الجنائزية, عناصر مسلحة بالمسدسات والبنادق, (بعضها مجهز بمجاهر ميكروسكوبية) تطلق النار جزافا في الهواء وكأنها تحتفل بمناسبة زواج عربي تقليدي او انها لم تعد بحاجة الى هذه الذخيرة الذي يفترض ان تدخر للايام الاكثر سوادا او تستعمل للرد على رصاص القناصة (الاسرائيليين) الذين يطلقون النار على الناس دون رحمة او تمييز, كا يلاحظ. قلت: اتفق معكم بأن مثل هذه الممارسات والمشاهد اليومية, تزيد من احزاننا وتكرس وجهة نظر اعدائنا نحو اظهار العرب والمسلمين بأنهم غربيو الاطوار, وانهم لا يهتمون بقيمة الانسان ولا يدركون اهمية حمل السلاح او استعماله وهذه الممارسات في هذا الشهر الكريم تذكرنا بمواقف وسلوك نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم), لا سيما بالنسبة لترغيب الناس في الرماية, حيث كان (عليه الصلاة والسلام) يعجبه ان يكون الرجل راميا. وقد قال (عليه الصلاة والسلام): (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة, ألا ان القوة الرمي), وقال (صلى الله عليه وسلم): (علموا أبناءكم الرمي فإنه نكاية في العدو). وقال (عليه الصلاة والسلام): (من رمى بسهم في سبيل الله مخطئا او مصيبا كان له من الاجر كرقبة اعتقها من ولد اسماعيل) وعن علي بن ابي طالب (رضي الله عنه) انه قال: (ما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فدى أحدا غير سعد بن ابي وقاص فإنه قال له يوم احد: (ارم فداك ابي وأمي). إذن على النحو المشار اليه سلفا, فأمجادنا السابقة تؤكد بأننا امة تفتخر برماتها ولا ترضى على نفسها بالهوان. ولكن الشعب الفلسطيني الذي يوجه عواطفه ويعقد آماله على الشعب العربي, يرى ان معظم الدول العربية لا تزال تعيش في عالم غير عالمه. وتحسب حسابات طويلة ومعقدة للدفاع عن الشرف والبقاء, في حين انه (أي الشعب الفلسطيني) يستمد ارادته في الحياة الحرة الكريمة, من ايمانه الشديد بالحق والعدالة وبرد الاعتداء بالوسائل المتيسرة. واظنه يحتذي بقوة وارادة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) تجاه قوة خصومه (الكفار) عندما بشر بدعوته ونشر الدين الاسلامي الحنيف. ولو لم يوجد بيننا رجال كرام تتجلى قدراتهم في تحقيق الآمال والطموحات عن طريق العقل والعمل, امثال الوالد والقائد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, رئيس الدولة (حفظه الله ورعاه) ليئست وصدقت الشاعر العربي الذي قال: (مات الذين لهم فضل ومكرمة وفي الدفاتر من احسانهم أثر)