من مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي يصدر من حين لآخر بيان رسمي عن ما تعتزم ان تقوم به الحكومة الاسرائيلية من تحرك في اطار تعاملها مع الطرف الفلسطيني. وفي بعض الاحيان عندما تبلغ الامور مبلغا حاسما يدلف، رئيس الحكومة بنفسه الى الكنيست (البرلمان) لابلاغ نواب الشعب بما جرى ويجري ومن ثم يتوقف ليجيب عن عاصفة من الاسئلة الثاقبة والصريحة. لكن الصورة على الجانب الفلسطيني تختلف. غياب الشفافية هو الطابع الغالب على تعامل السلطة الفلسطينية مع جمهورها والجمهور العربي عامة, فمفردات التحرك الدبلوماسي لقيادة السلطة تظل في الغالب الاعم اسرارا مغلقة. وهذا النهج لم يكن مقبولا لدى جماهير الشعب الفلسطيني طوال مرحلة السنوات السبع التي اعقبت اوسلو علما بأن التعامل الرسمي الفلسطيني مع الطرف الاسرائيلي خلال تلك الفترة كان في معظمه محصورا في قضايا فرعية على طريق تنفيذ بنود اوسلو. ومن باب اولى اذن ان يكون مرفوضا بشدة بعد ان دخل مسار التعامل الفلسطيني الاسرائيلي مرحلة حسم القضايا المصيرية للوضع النهائي, ومع ذلك تظل الشفافية غائبة. ان تغيب الشفافية ظل للاسف نهجا ثابتا للقيادة الفلسطينية حتى قبل اوسلو. فالتحركات والقرارات تعتمد في دائرة ضيقة للغاية مع الحرص على عدم تنوير القاعدة الشعبية بما جرى ويجري. وحتى اوسلو نفسها.. تلك الاتفاقية التاريخية الخطيرة التي تمثل نقطة تحول حاسمة حولت مجرى القضية الفلسطينية في اتجاه معاكس تماما لما قبله نوقشت وابرمت داخل غرفة مغلقة في اجتماعات ضربت عليها استار من السرية الاسطورية المطلقة. وحتى بعد ان ابرمت لم تعرف في استفتاء على الشعب الفلسطيني بل اعلنت على الفلسطينيين داخل الارض المحتلة وخارجها كأمر واقع لا رجعة عنه. الآن تدخل القضية الفلسطينية منحنى مصيريا جديدا اخطر واجل شأنا من اوسلو لأن العملية التفاوضية تنتقل الآن الى امهات القضايا التي من شأنها تحديد مصير الشعب الفلسطيني بصورة لا رجعة فيها: قضية حدود الدولة الفلسطينية ومساحتها بالنظر الى وجود مستوطنات يهودية داخل الارض الفلسطينية.. ومستقبل القدس والحرم الشريف.. وعودة اللاجئين. هذه القضايا المصيرية لا تحتمل ادنى غياب للشفافية والصراحة والمكاشفة الامينة من قبل القيادة الفلسطينية تجاه شعبها. لكن المؤشرات الاولية غير مطمئنة. فالحذر والتعتيم هما العاملان اللذان يهيمنان الآن على مسلك رموز القيادة الفلسطينية على خلفية ما جرى من جولات تفاوضية في واشنطن بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي. فالقيادة الفلسطينية لا تصدر بيانات عما يجري لتنوير الجماهير, وفيما يبدو ان الخطط والتدابير التفاوضية لاتزال تعتمد في دائرة ضيقة في اطار من السرية والغموض. لا قبل الجولة التفاوضية ولا بعدها نهض قيادي رسمي فلسطيني ليدلي ببيان رسمي مفصل. ولم نسمع عن دعوة رسمية لعقد المجلس التشريعي ـ البرلمان الفلسطيني ـ للبت في المسار التفاوضي كما يفعل البرلمان الاسرائيلي. ان الشعب الفلسطيني يريد ان يعرف على وجه التفصيل والدقة الخطة التفاوضية لقيادته وعما اذا كانت القيادة تعتزم تنازلا هنا او هناك.. وما مدى التنازل وما طبيعته. هذه لحظات تاريخية.. لا تحتمل غياب اي حد ادنى من الشفافية.. فغياب الشفافية في هذه الظروف الحاسمة لن يعني سوى ان نوايا القيادة موضع ريبة.