ما هي العولمة؟ هل هي مجرد فتح الحدود أمام الجميع؟ والسماح بانتقال رؤوس الأموال في يسر, وتنازل الدولة عن جزء من سيادتها للشركات متعددة الجنسيات. العولمة في الحقيقة هي كل هذه الأشياء بالاضافة الى المخترعات ، الحديثة. منها ما يسمى بالذاكرة الهولوجرافية, أو الذاكرة ذات الأبعاد الثلاثية, وهي الآلة التي تستطيع أن تختزن المعلومات في طبقات من الكريستال عن طريق تقاطع شعاعين من الليزر في زوايا مختلفة. وهناك عدة شركات تقوم في الوقت الحاضر بانتاج (سوبر كمبيوتر) بامكانه الاجابة على أي سؤال إجابة مقنعة, وباستطاعته قراءة الصحف, والترجمة من لغة الى أخرى وهذه الاختراعات التي هي في الطريق الينا الآن ستضع أمام الانسان احتمالات لم يسبق لبني البشر أن فكروا فيها. مثلا يستطيع رئيس مجلس ادارة إحدى الشركات المتعددة الجنسيات أثناء تحليقه بطائرته فوق المحيط أن يعقد اجتماعا لمجلس الادارة في الطائرة, أعضاء المجلس من خمس قارات يتكلمون خمس لغات, ويرتدون ملابس مختلفة. ولكن التكنولوجيا تجمعهم على مائدة الاجتماعات, وتجعلهم يرتدون ملابس رسمية واحدة ويتكلمون لغة واحدة. وهذه القدرة اللامتناهية ستفتح أبواب جهنم على البشر في شكل مخترعات حديثة ليس للبشر عهد بها, مثلا استطاع العلماء في جامعة (بنسلفانيا) زرع جينات هرمون النمو البشري, ونجحت في انتاج نوع من الفئران في ضعف حجمها الطبيعي, كما نجح العلماء في أن يجمعوا خلايا عنزة مع خلايا خروف ونتج عن ذلك انتاج حيوان جديد.. وفي المستقبل القريب ينجح العلماء في القضاء على أمراض كثيرة كالصرع والسكر والزهايمر, وهناك أمل كبير في احتمال نجاح العلماء في إطالة عمر الانسان الى 150 عاما. ولكن هذه المخترعات الحديثة لن تخلق جنة البشر على الأرض, ولكن, يكون لها ردود أفعال خطيرة مثال على ذلك عمليات زرع ونقل الأعضاء, فمن أجل الحصول على قطع غيار بشرية ظهرت عصابات دولية منظمة تخطف البشر رجالا ونساء وأطفالا لاستعمالهم كقطع غيار لمن يملك الثمن. وبدلا من إنشاء بنوك للأعضاء البشرية نشأت عصابات سوق سوداء لا ترعى حرمة ولا تراعي ضميرا. وهكذا نرى أن التكنولوجيا ليست خيرا خالصا أو شرا خالصا. وإنما تتوقف النتائج على الانسان, فهي في نهاية الأمر أداة, ولكنها اذا تحولت الى سيد أو معبود فإنها ستشكل خطرا مستطيرا على الانسان وعلى الحياة. العولمة هي الأخرى أسلوب للحياة, وفائدة هذا الأسلوب وضرره يتوقف على الانسان. والاحتماء بالشعور الوطني قد يكون هو العلاج الوحيد للحماية من خطر العولمة. ولكن هل تعني الوطنية انكارا للعولمة وتجاهلها؟ الجواب بالقطع- لا لأن ذلك معناه أننا ندفن رؤوسنا في الرمال ولكن الطريقة المثلى لمواجهة العولمة هي التسليم بها, ومواجهة خطرها تقتضي دراستها وعدم الاستهانة بخطورتها. أما رفع الشعارات التي تستنكر أو تشجب, فهو موقف يرشحنا كأبطال للفرص الضائعة, وتحجز لنا مكانا بارزا في معارك طواحين الهواءٌ ولكن.. ما هو الهدف من المقاومة والتصدي للعولمة. الهدف هو الاستفادة من العولمة ومن المخترعات الحديثة ولكن ليس على حساب انسانيتنا وقيمنا الروحية, نريد أن نكسب من العولمة تقدما وعلما ولكننا نرفض أن نخسر أنفسنا. وكم من مجتمعات تقدموا ولكنهم في الوقت نفسه خسروا أنفسهم. إننا لا نريد أن نصل الى المصير الذي وصل اليه العبقري شارلي شابلن في فيلمه (الأزمنة الحديثة) عندما تحول الى آلة مجرد ترس في وحش معدني لا قلب له ولا عاطفة. نريد تقدما لا يؤخرنا عن الاتصال بالآخرين, نريد حداثة لا تؤدي بنا الى فقد التواصل مع الأسرة والمجتمع والأمة. ولا سبيل أمامنا لتحقيق هذا الهدف إلا بمؤسسة تعليمية جديدة وبمدرسة جديدة, مدرسة للمستقبل, مدرسة بلا أسوار ليس بالمعنى المادي للأسوار, ولكن المقصود مدرسة متصلة عضويا بالمجتمع وبحياة الناس وبقواعد الانتاج وبنبض الرأي العام. مدرسة تتوغل في أعماق المجتمع وتجند كل من يستطيع أن يمد يده بالمساعدة في صياغة عقل الأمة. ومن أجل انشاء هذه المدرسة الجديدة لابد من وجود المعلم الجديد. وهذا المعلم الجديد لابد أن نخلصه من آثار مدرسته القديمة التي كان هدفها تخريج موظفين يعملون في اطار نظم جامدة وقوانين صارمة تلزمهم بالنص وعدم الخروج عن الروتين. الى نظام جديد يهيئ الظروف لتخريج رجال أعمال وفنانين وموهبين. معلم يزود تلاميذه بمفاتيح المعرفة وقواعد الأسلوب العلمي. وبداية الطريق نحو المستقبل هو المعلم الجديد, معلم لا يخاف ولا يرتعش ولا يكون هدفه المواظبة على مواعيد الحضور والانصراف لكي يضمن الحصول على مرتبه أول كل شهر. إنها وصفة سحرية للوزير حسين كامل بهاء الدين وزير التربية والتعليم, وصفة تسمح لنا بالحصول على الفوائد التي يحققها نظام العولمة مع الاحتفاظ بقيمنا والتمسك بديننا. وهي وصفة وضعها الوزير المصري بين سطور كتابه القيم الوطنية في عالم بلا هوية وهو كتاب يجعلنا نرجو الدكتور حسين كامل بهاء الدين أن يواصل مسيرته لإثراء المكتبة العربية بسلسلة من الكتب القيمة وما أندرها في سوق الكتب هذه الأيام.