هل آن الأوان لاعادة تشكيل حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية؟ قد يبدو هذا السؤال وكأنه منطلق من فراغ. لكنه ليس كذلك على الاطلاق. والمناسبة هي تصريح غير تقليدي من قيادي فلسطيني غير تقليدي. فمروان البرغوثي, صاحب التصريح, هو ابرز قيادات الجيل الجديد التي تتولى عبء الانتفاضة في الشارع الفلسطيني. لقد دعا برغوثي مسئول حركة (فتح) الى تشكيل ما اطلق عليه (حكومة الانتفاضة الفلسطينية).. وشرح قائلا (ان الانتفاضة يجب ان تتغير طبيعتها وتدعم بحكومة تشمل الاحزاب المعارضة لمفاوضات السلام). ان هذا كلام صريح لا يحتمل التأويل.. فهل له مسوغ ومبرر؟ يجب ان نسجل اولا انه باندلاع الانتفاضة قرب نهاية سبتمبر الماضي واستمرار ايقاعها الدموي لمدى ثلاثة شهور حتى الآن انطوت صفحة مرحلة وبدأت مرحلة جديدة. لقد تلاشت مرحلة اوسلو التي جعلت للطرف الاسرائيلي اليد العليا في عملية التعاطي مع الطرف الفلسطيني. وإذ لا نستطيع ان نقول ان مرحلة الانتفاضة اعطت اليد العليا للجانب الفلسطيني فإن بوسعنا ان نقول دون تردد ان صمود الشارع الفلسطيني في وجه حرب اسرائيلية وحشية مع اتخاذه موقف مبادرات هجومية حقق للشعب الفلسطيني قدرا كبيرا من الندية السياسية تجاه الدولة الاسرائيلية. نحن اذن بازاء مناخ سياسي جديد تماما على صعيد (قضية سلام الشرق الاوسط) وبطبيعة الحال فإن المناخ الجديد يتطلب تجديد التشكيلة الحكومية فلسطينيا. وهذا هو معنى تصريح مروان البرغوثي. ومما يعزز من صوابية رؤية البرغوثي ان المتغيرات السياسية على الطرف الاسرائيلي الناشئة بسبب انعكاسات واصداء الانتفاضة الفلسطينية تحمل في طياتها احتمالات المزيد من التشدد الاسرائيلي. وهذا الاحتمال سوف يتحول الى حقيقة بشعة اذا اسفرت معركة الانتخابات الاسرائيلية المرتقبة في فبراير عن فوز حزب الليكود وبالتالي تسلم الجنرال الاستئصالي ارييل شارون زمام السلطة. بالتالي سوف تتسع اكثر من اي وقت مضى الهوة بين الرؤيتين الفلسطينية والاسرائيلية تجاه المستقبل المصيري. في الوقت نفسه هناك هوة محلية تتسع يوما بعد يوم, مع استمرار الانتفاضة, بين قادة الشارع الفلسطيني وقادة السلطة الفلسطينية. وربما لا يود اي من الطرفين التحدث بصراحة عن هذه الهوة السياسية. لكن الواضح لكل ذي عينين ان هناك الآن ذهنيتين فلسطينيتين في آن معا: ذهنية تقليدية على صعيد السلطة تعتقد بصورة اساسية في نهج التعاطي السلمي مع الطرف الاسرائيلي.. وذهنية جديدة راديكالية الطابع تعتمد النضال اليومي العنيف ضد الاحتلال الاسرائيلي كنهج اساسي, ان لم يكن اوحد. لقد تبلورت الآن على مدى ثلاثة شهور من الانتفاضة قناعة شعبية فلسطينية وتؤازرها قناعة شعبية عربية بأنه بينما لم يحقق نهج اوسلو اي نتائج ايجابية, فإن نهج الانتفاضة احدث على الاقل اختراقا سياسيا بخلق فتنة قيادية داخل المسرح السياسي الاسرائيلي. بناء على هذا الاستنباط فإن من الواضح الآن ان هناك حاجة ماسة الى ان تنعكس التشكيلة القيادية الفلسطينية في الشارع على التشكيلة القيادية على الصعيد الرسمي حتى تنطلق الانتفاضة بايقاع اسرع.